اخترت لك أيها القارئ الكريم في هذه المساحة شاعران من الشعراء القلائل الذين منحوا الأبناء مساحة كبيرة في أشعارهم، أحدهم كتب قصيدة واحدة كانت عن حب الأبناء والمحافظة عليهم، وهو
الشاعر الأول:
شاعرنا الأول هو شاعر غير معروف لكنه قال بيتاً من أكثر من ألف وأربعمائة عام، هذا البيت لا زال كلنا يردده بين الفينة والأخرى، في كل مناسبة احتفال بالطفولة، هذا الشاعر المغمور هو (حِطّان بن المعلَّى الطائي) وهو أحد شعراء الجاهلية، وربما أدرك الإسلام، لكن ذلك غير معروف، وهو شاعر مُقلّ، واكتسب شهرة تاريخية واسعة في الأدب العربي بفضل قصيدة واحدة فقط تبلغ 7 أبيات صاغ فيها أعمق مشاعر الأبوة.
نبذة مختصرة عن حياته:
• الميلاد والوفاة: أغفل مؤرخو الأدب تدوين تاريخ ولادته أو وفاته لقلة أخباره، ولم يتبقّ من أثره سوى بضعة نصوص
• نسبه وشخصيته: يعود نسبه إلى قبيلة طيء العربية الشهيرة، وعُرف بنقاء سريرته وعزة نفسه الشديدة.
• قصته وأشعاره: لم يُحفظ له في دواوين العرب القديمة (مثل ديوان الحماسة لأبي تمام) سوى قصيدته ذات السبعة أبيات، وتكمن قصة هذه الأبيات في أن الشاعر تبدّل حاله من الغنى الشديد إلى الفقر المدق، ورغم ضيق العيش، رفض السفر والترحال كعادة رجال العرب لطلب الرزق؛ خوفاً من أن يترك بناته الصغيرات وحيدات دون مُعيل أو سند يرحمهنّ.
• أثره الأدبي: حوّلت هذه الأبيات القليلة اسمه إلى رمز إنساني خالد في التضحية وحب الأبناء؛ لدرجة أن وصفه للأبناء بأنهم "أكبادنا تمشي على الأرض" أصبح المثل السائر والأشهر عبر العصور للتعبير عن حب الأولاد.
القصيدة:
تتكون قصيدة حِطّان بن المعلّى الطائي الشهيرة التي رواها أبو تمام في "ديوان الحماسة" من 7 أبيات، صاغها الشاعر بعد أن تبدّل حاله من الغنى إلى الفقر، وامتدح فيها دافع بقائه وصبره وهم بناته الصغيرات.
أَنْزَلَنِي الدَّهْـرُ عَلَى حُكْمِـهِ ... مِـنْ شَامِخٍ عَالٍ إِلَى خَـفْضِ
وَغَالَنِي الدَّهْـرُ بِوَفْرِ الْغِنَى ... فَلَيْـسَ لِي مَالٌ سِوَى عِرْضِي
أَبْكَانِيَ الدَّهْـرُ وَيَا رُبَّمَـــــا ... أَضْحَكَنِي الدَّهْـرُ بِمَا يُرْضِـي
لَوْلَا بُنَيَّـاتٌ كَزُغْـبِ الْقَطَـا ... رُدِدْنَ مِـنْ بَعْضٍ إِلَى بَـعْضِ
لَكَانَ لِـي مُضْطَـرَبٌ وَاسِعٌ ...فِي الْأَرْضِ ذَاتِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ
وَإِنَّمَـا أَوْلَادُنَــــــــــا بَيْنَنَــا ... أَكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ
لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلَى بَعْضِهِمْ ...لَامْتَنَعَتْ عَيْنِي مِنَ الْغَمْضِ
مفردات القصيدة ومعانيها:
• خَفْض: الضيق والفقر بعد العز والرفعة.
• غَالَنِي: أهلكني وسلبني.
• وَفْرِ الغِنى: كثرة المال والرزق الواسع.
• بُنَيَّات كَزُغْبِ القَطَا: تشبيه بناته الصغيرات بفراخ طائر القطا التي يغطيها ريش ناعم وضَعيف؛ للدلالة على رقتهنّ وعجزهنّ.
• مُضْطَرَبٌ وَاسِع: مكان فسيح للسفر، والترحال، وطلب الرزق.
• مِنَ الغَمْضِ: النوم والراحة؛ ويقصد أنه لا ينام قلقاً وخوفاً عليهنّ.
الشاعر الثاني: الشاعر الأديب عمر بهاء الدين الأميري
شغلت عاطفة الأبوة مساحة كبرى في نتاج الشاعر الدبلوماسي السوري عمر بهاء الدين الأميري (1916 - 1992م)، حتى لُقّب في الأوساط الأدبية بـ "شاعر الأبوة"؛ إذ لم يترك شاعر معاصر في الأدب العربي ديواناً كاملاً يرصد فيه مشاعر الأب تجاه أبنائه كما فعل هو.
وهذه نبذة مختصرة عن حياته وعن تجليّات عاطفة الأبوة في أشعاره:
أولاً: نبذة عن حياته
• المولد والنشأة: وُلد في مدينة حلب السورية، وتلقى تعليمه فيها ثم درس الحقوق والآداب في بيروت وباريس.
• العمل السياسي والأكاديمي: عُين سفيراً لسوريا في دول عدة (مثل باكستان والسعودية والمغرب)، وعمل أستاذاً لكرسي الإسلام والمجتمعات المعاصرة في جامعة محمد الخامس بالمغرب.
• شخصيته: كان أديباً، ومفكراً إسلامياً، وشاعراً مطبوعاً، تميز برقة المشاعر وعمق الإنسانية، وتوفي في المغرب عام 1992م.
ثانياً: أشعاره عن الأبناء
أفرد الأميري ديواناً شعرياً كاملاً أسماه "ديوان أب" صبّ فيه كل مشاعر الحنان، والقلق، والشوق، والفقد التي يمر بها الأب في مراحل نمو أبنائه واستقلالهم. ومن أبرز ملامح هذا الشعر:
1) قصيدة "أب" (البيت المهجور)
وهي أشهر قصائده على الإطلاق، كتبها بعد أن كبر أبناؤه وسافروا للدراسة وبقي وحيداً في المنزل، واصفاً وحشة غيابهم وتحول البيت إلى عُش مهجور:
أَيْنَ الضَّجِيجُ العَذْبُ وَالشَّغَبُ؟ ... أَيْنَ التَّدَارُسُ شَابَهُ اللَّعِبُ؟
أَيْنَ الطُّفُـــــــــولَةُ فِي تَوَقُّدِهَا؟ ... أَيْنَ الدُّمَى فِي الأَرْضِ وَالكُتُبُ؟
أَيْنَ التَّشَاكُـــسُ دُونَمَا غَرَضٍ؟ ... أَيْنَ التَّشَاكِي مَا لَهُ سَبَبُ؟
أَيْنَ التَّبَاكِي وَالتَّضَــــاحُكُ فِي .... وَقْتٍ مَعاً، وَالحُزْنُ وَالطَّرَبُ؟
أَيْنَ التَّسَــــــابُقُ فِي مُجَاوَرَتِي .... شَغَفاً إِذَا أَكَلُوا وَإِنْ شَرِبُوا؟
يَتَزَاحَمُونَ عَلَى مُجــــــَالَسَتِي .... وَالقُرْبِ مِنِّي حَيْثُمَا انْقَلَبُوا
يَتَوَجَّهُونَ بِسَــــــوْقِ فِطْرَتِهِمْ ... نَحْوِي إِذَا رَهِبُوا وَإِنْ رَغِبُوا
فَنَشِيدُهُمْ: "بَابَا" إِذَا فَرِحــــُوا ... وَوَعِيدُهُمْ: "بَابَا" إِذَا غَضِبُوا
وَهُتَافُهُمْ: "بَابَا" إِذَا ابْتَــــعَدُوا ... وَنَجِيُّهُمْ: "بَابَا" إِذَا اقْتَرَبُوا
بِالأَمْسِ كَانُوا مِلْءَ مـــــَنْزِلِنَا ... وَاليَوْمَ -وَيْحَ اليَوْمِ- قَدْ ذَهَبُوا
وَكَأَنَّمَا الصَّمْتُ الَّذِي هَبـَطَتْ ... أَثْقَالُهُ فِي الدَّارِ إِذْ غَرَبُوا
إِغْفَاءَةُ المَحْــــمُومِ هَدْأَتُـــــهَا ... فِيهَا يُشِيعُ الهَمُّ وَالتَّعَبُ
ذَهَبُوا، أَجَلْ ذَهَبُوا، وَمَسْكَنُهُمْ ... فِي القَلْبِ، مَا شَطُّوا وَمَا قَرُبُوا
إِنِّي أَرَاهُمْ أَيْنَــــــــــمَا الْتَفَتَتْ ... نَفْسِي، وَقَدْ سَكَنُوا وَقَدْ وَثَبُوا
وَأُحِسُّ فِي خَــــــلَدِي تَلَاعُبَهُمْ ... فِي الدَّارِ لَيْسَ يَنَالُهُمْ نَصَبُ
وَبَرِيقَ أَعْيُنــــــِهِمْ إِذَا ظَفِرُوا ... وَدُمُوعَ حُرْقَتِهِمْ إِذَا غُلِبُوا
فِي كُلِّ رُكْــــنٍ مِنْهـــــــُمُ أَثَرٌ ... وَبِكُلِّ زَاوِيَةٍ لَهُمْ صَخَبُ
فِي النَّافِذَاتِ زُجَاجُهَا حَطَمُوا ... فِي الحَائِطِ المَدْهُونِ قَدْ ثَقَبُوا
فِي البَابِ قَدْ كَسَرُوا مَزَالِجَهُ ... وَعَلَيْهِ قَدْ رَسَمُوا وَقَدْ كَتَبُوا
فِي الصَّحْنِ فِيهِ بَعْضُ مَا أَكَلُوا.. فِي عُلْبَةِ الحَلْوَى الَّتِي نَهَبُوا
فِي الشَّطْرِ مِنْ تُفَّاحَةٍ قَضَمُوا ... فِي فَضْلَةِ المَاءِ الَّتِي سَكَبُوا
إِنِّي أَرَاهُمْ حَيْثُمَا اتَّجَـــــــهَتْ ... عَيْنِي كَأَسْرَابِ القَطَا سَرَبُوا
دَمْعِي الَّذِي كَتَمْتُهُ جــــــــَلَداً ... لَمَّا تَبَاكَوا عِنْدَمَا رَكِبُوا
مَا كَانَ مـــــــــَقْدُوراً أُكَفْكِفُهُ ... سَالَ امْتِحَاقاً حِينَ دَمْدَمَتِ الـقُطُبُ
2) (قصيدة "أمومة وأبوة")
يرصد الشاعر كيف يكبر الأبناء فجأة، وكيف تتحول مشاعر الرعاية الإجبارية إلى صداقة ومرافقة، فيقول معبراً عن تحول الطفولة إلى شباب
قصيدة أمومة وأبوة
نَمَوْا فَإِذَا هُمُ شَبَابٌ نَـاضِــــــــــرٌ ......... وَأَغْصَانُ رَوْضٍ بِالْعَطَاءِ تَـمَايَلُ
طَوَوْا طِفْلَ أَمْسٍ وَاسْتَجَدُّوا فُتُوَّةً .... لَهَا فِي مَـيَادِينِ الحَيَاةِ دَلَائِلُ
هُمُ الرُّوحُ فِي نَفْسِي هُمُ النَّبْضُ فِي ....... دَمِي هُمُ الأَمَلُ البَاقِي فَمَا أَنَا فَاعِلُ؟
نُـرَبِّيهِمُ وَالعُمْرُ يَـنْفَدُ مُسْــــــــرِعَاً ........ وَنَحْسَبُ أَنَّا فِي الزَّمَانِ نُـطَاوِلُ
رَعَتْهُمْ أُمُومَاتٌ حِـــــسَانٌ بِصَبْرِهَا.........وَحَاطَتْهُمُ أَبْـوَابُنَا وَالمَعَاقِلُ
فَصَارُواْ لَنَا مِثْلَ الرَّفِيقِ نَسِيرُ فِــي......... دُرُوبِ المُنَى، وَالحُبُّ فِينَا مُتَبَادَلُ
إِذَا أَبْـصَرَتْ عَيْنِي سَنَاهُمْ وَرُشْدَهُمْ.........تَـلَاشَتْ هُمُومِي، وَالْمَنَايَا خَوَاذِلُ
فَيَا رَبِّ بَارِكْ خَطْوَهُمْ وَاهْدِ قَلْبَهُمْ ........ فَإِنَّكَ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ وَنَائِلُ
كان الأميري يرى في أبنائه امتداداً لرسالته في الحياة، ولم تكن عاطفته مجرد بكاء على الفراق، بل كانت عاطفة فخر بتفوقهم وصلاحهم، وله تضرعات شعرية كثيرة يدعو لهم فيها بالتوفيق والسداد في غربتهم.
