مرحباً بك في موقعك المفضل (وعي أسري) هنا نكبر معاً، ونشارككِ رحلة التربية خطوة بخطوة لبناء أسرة واعية وسعيدة ومترابطة

النهوض من تحت الركام: ركائز المرونة النفسية في زمن الأزمات

النهوض من تحت الركام: ركائز المرونة النفسية في زمن الأزمات

بقلم: عادل فتحي عبدالله
صورة شاب يعاني من مشكلة

الحقيقة أننا جميعاً نحتاج في وقت من الأوقات إلى ما يمكن تسميته المرونة النفسية، ذلك لأن الحياة لا تخلو من الأزمات والصعاب التي قد تكون في بعض الأحيان قاسية.

والمرونة النفسية تعني القدرة الذاتية على التكيف مع صعاب الحياة، والنهوض مجدداً بعد الصدمات أو النكسات دون أن تنكسر أو تفقد توازنك الداخلي، وهي ليست صفة تولد بها، بل مهارة تكتسبها وتطورها بالممارسة.

مفاهيم خاطئة عن المرونة النفسية

• ليست تبلداً: المرونة لا تعني أنك لا تحزن، ولا تتألم، ولا تبكي.

• ليست كبتاً: لا تعني إنكار المشاعر السلبية أو الهروب منها.

• الحقيقة: الشخص المرن يتألم ويحزن، لكنه يتقبل مشاعره ولا يسمح للألم أن يقود حياته بالكامل.

الركائز الأساسية لبناء المرونة النفسية


• الوعي والتقبل العاطفي: الاعتراف بالمشاعر المؤلمة وفهمها كجزء طبيعي من التجربة البشرية.

• التركيز على دائرة التحكم: توجيه طاقتك نحو الأشياء التي يمكنك تغييرها، وتجاوز ما لا تملك سلطة عليه.

• إعادة الصياغة المعرفية: رؤية التحديات كفرص للتعلم والنمو، وليس كعقبات نهائية مدمرة.

• بناء شبكة دعم اجتماعي: التواصل المستمر مع أشخاص إيجابيين يقدمون لك الدعم العاطفي وقت الأزمات.

كيف تمارس المرونة النفسية في حياتك اليومية؟


1. تحدث مع نفسك بإنصاف: استبدل النقد الذاتي القاسي بالتعاطف مع ذاتك عند الخطأ.

2. ضع أهدافاً صغيرة: قسّم المشاكل الكبيرة إلى خطوات يومية بسيطة يمكن إنجازها.

3. اهتم بصحتك الجسدية: النوم الجيد، الغذاء المتوازن، والرياضة تعزز طاقة عقلك على التكيف.

الوعي والتقبل العاطفي يعني أن تسمح للمشاعر المؤلمة بالمرور داخل جسدك وعقلك دون أن تحاربها، ترفضها، أو تلوم نفسك عليها.

المعادلة النفسية: الألم + المقاومة = المعاناة (عندما تقاوم الحزن، أنت تضاعف الوجع)

ولنأخذ كل ركيزة من الركائز الثلاثة التي ذكرناها بشيء من التفصيل والإيضاح:

1) الوعي (التعرف على المشهد الداخلي)

• هو القدرة على مراقبة ما تشعر به بصدق وبدون أحكام مسبقة.

• مثال: بدلاً من الغرق في ضيق غامض، تجلس مع نفسك وتسمي الأشياء بمسمياتها: "أنا أشعر الآن بالخذلان والخوف من المستقبل".

• الفائدة: التسمية الدقيقة للمشاعر تقلل فوراً من حدة نشاط مراكز الخوف في الدماغ.

2) التقبل (إسقاط السلاح)

• التقبل لا يعني الاستسلام أو الرضا بالوضع السيء، بل يعني التوقف عن خوض معركة ضد مشاعرك الحالية.

• التطبيق: عندما تشعر بالحزن، لا تقل "يجب أن أكون قوياً الآن، لا وقت للبكاء"، بل قل لنفسك: "من الطبيعي جداً أن أشعر بالحزن الآن، هذا جسدي يعبر عن ألمه وسأعطيه وقته".

• الفائدة: يمنع تحول الحزن العادي إلى اكتئاب أو قلق مزمن ناتج عن كبت المشاعر.

3) جزء من التجربة البشرية (لست وحدك)

• عندما نمر بأزمة، يوهمنا عقلنا بأننا الوحيدون الذين نعاني، مما يولد شعوراً بالعزلة والضعف.

• الحقيقة: الفقد، الفشل، الحزن، والإحباط هي "الضرائب" الطبيعية لكوننا بشر يعيشون على هذه الأرض.

• الفائدة: تذكر أن ملايين البشر يشعرون بنفس ألمك الآن يربطك بالإنسانية، ويخفف عنك وطأة الشعور بالظلم أو "لماذا أنا؟".


ولنفترض مثلاً أنك تواجه صعوبة تجاه مشاعر: (الغضب، الحزن، والتوتر) عند هجومها المفاجئ، فمن المهم أولاً أن تطمئن: هذا أمر طبيعي جدا، لأن العقل البشري يكره التهديد المفاجئ ويسعى لحمايتنا عبر الرفض أو المقاومة.

كيف نطبق الوعي والتقبل العاطفي على هذه المشاعر الثلاثة خطوة بخطوة عند حدوثها فجأة؟

1) الغضب المفاجئ (شعور ناري يحتاج تبريداً لا كبتاً)

• الوعي: عندما يشتعل الغضب، لاحظ علامات جسدك (تسارع نبضات القلب، شد الفك). قل لنفسك داخلياً: "أنا الآن في حالة غضب شديد" بدلاً من تفريغه فيمن حولك.

• التقبل: لا تلم نفسك لأنك غضبت. الغضب يخبرك أن هناك خطاً أحمر تم تجاوزه في حياتك. قل لنفسك: "من حقي أن أغضب الآن، لكن ليس من حقي أن أدمر نفسي أو الآخرين".

• البعد الإنساني: تذكر أن كل البشر يغضبون ويفقدون أعصابهم أحياناً، لست سيئاً لأنك غضبت.

2) الحزن المفاجئ (شعور ثقيل يحتاج مساحة للمرور)

• الوعي: عندما يهبط عليك الحزن بغتة، لا تهرب منه للهاتف أو العمل اجلس معه لدقائق. حدد مكانه (غصة في الحلق، ثقل في الصدر).

• التقبل: اسمح بدموعك إن رغبت في النزول قل لنفسك: "أنا حزين الآن، وهذا الحزن دليل على أنني إنسان أشعر، وسآخذ وقتي لينتهي هذا الشعور"، فالمشاعر مثل موج البحر ترتفع ثم تنخفض حتماً.

• البعد الإنساني: الحزن ضريبة طبيعية لـفقدان شيء نحبه أو خيبة أمل، وهو قاسم مشترك بين كل سكان الأرض.

3) التوتر والقلق المفاجئ (إنذار وهمي يحتاج طمأنينة)

• الوعي: التوتر يجعلك تشعر بالاختناق أو الرغبة في الهروب. خذ نفساً عميقاً ولاحظ الأفكار المرعبة في رأسك (ماذا لو حدث كذا؟).

• التقبل: تقبل وجود التوتر كـجرس إنذار" داخلي يحاول حمايتك لكنه مبالغ فيه، وقل لنفسك: "أنا متوتر وخائف الآن، هذا مجرد شعور وليس حقيقة واقعة، وأنا في أمان حالياً".

• البعد الإنساني: القلق من المجهول والخوف من المستقبل ميزة تطورية يمر بها كل البشر بلا استثناء.


السر هنا هو عدم صب الزيت على النار؛ أي ألا تغضب لأنك غضبت، وألا تحزن لأنك متوتر.

التركيز على دائرة التحكم:


التركيز على دائرة التحكم يعني التوقف عن إهدار طاقتك النفسية في معارك خاسرة مع أشياء لا يمكنك تغييرها، وتوجيه كل مجهودك نحو الأشياء التي تقع تحت سيطرتك المباشرة.

هذا المفهوم يعود لـ "ستيفن كوفي" ويقسم كل ما يمر بك في الحياة إلى دائرتين:

1) دائرة الاهتمام (خارج سيطرتك تماماً)

هي الأمور التي تقلقك وتؤثر عليك، لكنك لا تملك أي سلطة لتغييرها، إهدار طاقتك هنا يسبب العجز والإحباط.

• أمثلة:

o الماضي وأخطاؤه.

o ردود أفعال الآخرين، أفكارهم، أو مشاعرهم تجاهك.

o الظروف الاقتصادية العامة، الطقس، أو القرارات الحكومية.

o المرض المفاجئ أو الأزمات العالمية.

2) دائرة التحكم (تحت سيطرتك المباشرة)

هي المساحة الصغيرة التي تملك فيها القرار الكامل والقدرة على الفعل والتأثير الفوري.

• أمثلة:

o ردود أفعالك أنت تجاه الأحداث.

o كيف تقضي وقتك اليوم؟

o كلماتك، سلوكك، واختياراتك.

o مدى اعتنائك بصحتك وجسدك.

o أفكارك وقرارك بالاستمرار أو الانسحاب.


كيف تطبق هذا الأمر عملياً عند مواجهة أي مشكلة؟


استخدم "مصفاة التحكم" عبر طرح سؤالين ذهبيين:

1. هل يمكنني فعل شيء حقيقي لتغيير هذا الموقف الآن؟

2. إذا كانت الإجابة (لا): قل لنفسك: "هذا خارج دائرتي، يجب أن أتقبله وأتجاوزه.

3. إذا كانت الإجابة (نعم): اسأل: "ما هي الخطوة الأولى الصغيرة التي يمكنني اتخاذها الآن؟ وابدأ فوراً.

مثال عملي: (رفضك في مقابلة عمل)

• سلوك يدمر المرونة (التركيز على دائرة الاهتمام): تظل غاضباً وتسأل: "لماذا رفضوني؟ المدير كان سيئاً، الواسطة هي السبب، حظي سيء دائماً". (النتيجة: إحباط وتوقف عن السعي)

• سلوك يبني المرونة (التركيز على دائرة التحكم): تقول لنفسك: "قرار قبولهم خارج عن إرادتي. لكن ما أتحكم به هو: تعديل سيرتي الذاتية، تطوير مهاراتي للمقابلة القادمة، والتقديم على وظائف أخرى اليوم". (النتيجة: تقدم ونمو).


إعادة الصياغة المعرفية:

وهي تعني تغيير "العدسة" التي ترى بها الأحداث السيئة، لتحويلها من حكم بالإعدام والفشل إلى درس قاصٍ لكنه مفيد.

الأمر لا يعني التفاؤل الأعمى أو خداع النفس، بل يعني البحث عن الجانب الحقيقي والعملي الذي يمكنك الاستفادة منه وسط الركام، فالعقل لا يستجيب للحدث نفسه، بل يستجيب لـتفسيرك للحدث.


كيف يعمل عقلك بدون إعادة صياغة؟ (العدسة المظلمة)

عندما تقع مشكلة، يميل العقل تلقائياً لتهويل الأمر وتبني أفكار تدميرية مثل:

• "هذه هي النهاية، خططي دمرت بالكامل."

• "أنا فاشل ولن أنجح أبداً."

• "الحياة تضطهدني دائماً."

• النتيجة: شلل تام، استسلام، واكتئاب.


كيف تطبق إعادة الصياغة المعرفية؟ (العدسة المرنة)

عند حدوث الأزمة، اسمح لنفسك بالحزن أولاً (التقبل العاطفي)، ثم ابدأ فوراً بإعادة صياغة الأفكار عبر هذه الخطوات الثلاث:

1) تحويل الضحية إلى متعلم

• بدل أن تقول: "لماذا يحدث هذا لي دائماً؟ أنا ضحية الحظ السيء."

• قل لنفسك: "هذا الموقف الصعب يختبر حدود صبري، ما الذي يحاول هذا الموقف أن يعلمني إياه عن نفسي؟"

2) تحويل التعميم إلى تخصيص

• بدل أن تقول: "فشلت في هذا المشروع، إذن أنا فاشل في كل شيء."

• قل لنفسك: "هذه التجربة المحددة لم تنجح لأن الطريقة كانت خاطئة، سأغير الطريقة في المرة القادمة."

3) تحويل العائق النهائي إلى عائق مؤقت

• بدل أن تقول: "هذه العقبة دمرت مستقبلي تماماً."

• قل لنفسك: "هذا تأجيل مؤقت لخططي، وهو فرصة لأعيد ترتيب أولوياتي بشكل أفضل."


بناء شبكة دعم اجتماعي:

وهذا يعني إحاطة نفسك بـ "مظلة أمان" من أشخاص تثق بهم، تلجأ إليهم وقت الشدة لتفريغ مشاعرك دون خوف من الأحكام، وتستمد منهم القوة للنهوض مجدداً.

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، والدراسات النفسية تؤكد أن وجود شخص واحد تفضفض له بصدق يقلل من هرمونات التوتر في جسدك بنسبة كبيرة.

المواصفات الشروط لشخص الدعم (من هم الإيجابيون فعلاً؟)

الإيجابيون هنا لا يعنون الأشخاص الذين يضحكون دائماً أو يتجاهلون المشاكل، بل هم:

• المستمعون الجيدون: ينصتون لك باهتمام دون مقاطعة، ولا يسارعون بتقديم نصائح جاهزة أو إلقاء اللوم عليك.

• المتقبلون: يقبلونك في لحظات ضعفك، بكائك، أو غضبك، دون أن تتغير نظرتهم لك.

• الصادقون والداعمون: يذكرونك بنقاط قوتك عندما تنساها أنت تحت تأثير الأزمة، ويدفعونك للأمام.


كيف تبني هذه الشبكة وتجعلها مستمرة؟ (الخطوات العملية)

1) جرد العلاقات الحالية (الكيف أهم من الكم)

• شبكة الدعم لا تحتاج إلى 50 صديقاً؛ يكفيك جداً من شخصين إلى 4 أشخاص حقيقيين (من العائلة، الأصدقاء، أو زملاء العمل).

• ابتعد أو قلل من التواصل مع "مصاصي الطاقة" الذين يضخمون المشاكل ويزيدونك إحباطاً وقت الأزمة.

2) التواصل المستمر (لا تتذكرهم فقط وقت المصلحة)

• شبكة الدعم مثل النبتة تحتاج لسقاية مستمرة، تواصل معهم في أوقات الرخاء، شاركهم تفاصيل بسيطة، اسأل عن أحوالهم، وقدم لهم الدعم عندما يحتاجونه.

• العلاقات المتينة تُبنى في أوقات الهدوء لتجدها جاهزة في أوقات العواصف.

3) خفض سقف التوقعات وتوزيع الأدوار

• لا تطلب كل شيء من شخص واحد؛ فقد يكون لديك صديق ممتاز في "الإنصات والعاطفة"، وصديق آخر بارع في "الحلول العملية والخطط"، وقريب يبرع في "إخراجك من الأجواء الكئيبة"، وزّع لجوئك إليهم حسب نوع الأزمة.


مثال عملي يوضح الأثر النفسي:

• بدون شبكة دعم (عزلة): تمر بضائقة مالية أو عاطفية، تنعزل في غرفتك، تتضخم الأفكار السلبية في رأسك، تشعر بأنك وحيد في هذا العالم، وتدخل في نوبة قلق حادة.

• مع شبكة دعم (مرونة): تتصل بصديقك المقرب، تقول له: "أنا متعب جداً وأحتاج للتحدث". ينصت لك، يقول لك: "أنا معك وسنتجاوز هذا معاً". تشعر فجأة أن ثقل الحمل انقسم على اثنين، وتبدأ برؤية الحلول.




تعليقات