تعرف على برنامج الكورت: أهميته وفوائده وكيف تطبقه
بقلم: عادل فتحي عبدالله
برنامج الكورت (CoRT) هو برنامج عالمي صممه الدكتور إدوارد دي بونو لتعليم التفكير كمهارة عملية تفيد الأفراد في حياتهم اليومية والمهنية. وكلمة CoRT هي اختصار لـ (Cognitive Research Trust) وهي "مؤسسة الأبحاث المعرفية" التي أسسها دي بونو في بريطانيا، ويهدف البرنامج إلى توسيع نطاق الإدراك وتبسيط عملية التفكير لتجنب ردود الأفعال العشوائية.
ويتكون البرنامج من 6أجزاء رئيسية، ويحتوي كل جزء على 10 أدوات أو دروس تدريبية:
أجزاء برنامج الكورت الستة
كورت 1: توسيع مجال الإدراك (Breadth): يهدف إلى تدريب العقل على رؤية جميع جوانب الموقف قبل اتخاذ القرار، ويضم أدوات شهيرة مثل موازنة الإيجابيات والسلبيات (PMI) واعتبار جميع العوامل (CAF).
كورت 2: التنظيم (Organization): يركز على تنظيم الأفكار وتوجيه الانتباه لتجنب التشتت والارتباك أثناء مواجهة المشكلات.
كورت 3: التفاعل (Interaction): يهتم بتطوير مهارات النقاش والمناظرة، ويوضح كيفية تقييم الأدلة وفهم وجهات نظر الآخرين.
كورت 4: الإبداع (Creativity): يدرب على مهارات التفكير الجانبي، والهروب من الأنماط التقليدية، وتوليد أفكار جديدة وغير متوقعة.
كورت 5: المعلومات والعواطف (Information and Feeling): يركز على كيفية تأثير المشاعر، والعواطف، والقيم، ونقص المعلومات على دقة وصحة التفكير.
كورت 6: العمل (Action): يجمع كل المهارات السابقة ويوجهها نحو صياغة خطة عمل نهائية وتنفيذ القرارات بشكل فعال.
ويعتبر الجزء الأول من برنامج الكورت كورت 1 هو الأهم، ويسمى توسيع مجال الإدراك (Breadth) الهدف منه هو تدريب العقل على عدم التسرع في إصدار الأحكام، ورؤية الموقف من جميع زواياه قبل اتخاذ القرار.
يتكون هذا الجزء من 10أدوات أساسية:
1- معالجة الأفكار (PMI - Plus, Minus, Interesting)
الوظيفة: دراسة أي فكرة بعمق بدلاً من قبولها أو رفضها فوراً.
طريقة التطبيق: تكتب في ثلاثة أعمدة: الإيجابيات (P)، السلبيات (M)، والأمور المثيرة للاهتمام (I) التي ليست ميزة ولا عيباً.
• مثال: "ماذا لو تم استبدال جميع السيارات بحافلات عامة؟" الإيجابي: تقليل التلوث.
السلبي: فقدان الحرية الشخصية بالتنقل.
المثير للاهتمام: كيف ستبدو تصاميم الشوارع بدون مواقف سيارات؟
2- اعتبار جميع العوامل (CAF - Consider All Factors)
الوظيفة: التخطيط الشامل وتجنب نسيان أي تفاصيل مهمة عند اتخاذ قرار أو شراء شيء.
طريقة التطبيق: كتابة قائمة بكل المؤثرات والعوامل المحيطة بالموقف دون إهمال.
مثال: عند شراء منزل جديد، العوامل هي: السعر، والمساحة، والقرب من العمل، والجيران، وتوفر الخدمات، ومستقبل الحي الاقتصادي.
القوانين (Rules)
الوظيفة: دراسة القوانين القائمة، أو وضع قوانين جديدة، ومعرفة مدى فعاليتها وجدواها.
طريقة التطبيق: فحص الغرض من القانون، ومن المستفيد منه، وهل يحتاج لتعديل.
مثال: وضع قانون لمنع استخدام الحواسيب المحمولة أثناء المحاضرات لزيادة تركيز الطلاب.
3- النتائج والعواقب (C&S - Consequence and Sequel)
الوظيفة: التنبؤ بمستقبل القرار وتأثيراته على المدى الزمني المختلف.
طريقة التطبيق: تقسيم النتائج إلى: فورية، وقصيرة المدى (1-5 سنوات)، ومتوسطة المدى (5-20 سنة)، وبعيدة المدى (أكثر من 20 سنة).
مثال: اختراع طاقة بديلة رخيصة جداً. النتيجة الفورية: انخفاض الفواتير. بعيدة المدى: تغير موازين القوى الاقتصادية عالمياً.
4- الأهداف والغايات (AGO - Alternatives, Goals, Objectives)
الوظيفة: التركيز على الهدف الحقيقي وتجنب التشتت بالوسائل.
طريقة التطبيق: تحديد "ما الذي أحاول تحقيقه بالضبط هنا؟" بدقة.
مثال: عندما يذهب شخص للتسوق، هل هدفه تمضية الوقت، أم شراء منتج محدد، أم البحث عن عروض؟
5- التخطيط (Planning)
الوظيفة: بناء مسار عملي واضح للوصول إلى هدف معين باستخدام الأدوات السابقة.
طريقة التطبيق: وضع خطوات متسلسلة، وتوقع العقبات، وتجهيز البدائل لحلها.
مثال: التخطيط لإطلاق مشروع تجاري صغير خلال 6 أشهر.
6- الأولويات المهمة الأولى (FIP - First Important Priorities)
الوظيفة: ترتيب الأفكار والعوامل بعد جمعها، لاختيار الأكثر أهمية وترك الأقل أهمية.
طريقة التطبيق: فلترة القائمة الطويلة واختيار أعلى 3 أو 5 أولويات فقط للتركيز عليها فوراً.
مثال: بعد جمع 20 عاملاً لشراء سيارة، يتم حصر الأولويات في: الأمان، واستهلاك الوقود، والسعر.
7- البدائل والخيارات والاحتمالات (APC - Alternatives, Possibilities, Choices)
الوظيفة: كسر الجمود العقلي والبحث عن خيارات أخرى عندما تبدو الحلول مغلقة.
طريقة التطبيق: إجبار العقل على إيجاد 3 بدائل إضافية على الأقل لأي موقف.
مثال: إذا تعطل الحافلة وكنت متأخراً عن الامتحان، البدائل: سيارة أجرة، الاتصال بصديق، طلب تأجيل الامتحان، أو استئجار دراجة.
8- القرارات (Decisions)
الوظيفة: اتخاذ القرار النهائي بناءً على تقييم الأهداف، والأولويات، والنتائج، والبدائل.
التطبيق: الانتقال من مرحلة التفكير والتوليد إلى مرحلة الاختيار الحاسم والالتزام به.
مثال: الاستقرار على تخصص جامعي محدد بعد دراسة كل البدائل والنتائج المستقبلية.
9- وجهات نظر الآخرين (OPV - Other People's Views)
الوظيفة: الهروب من الأنانية الفكرية وفهم كيف يرى الأشخاص الآخرون نفس الموقف.
طريقة التطبيق: تقمص شخصية الطرف الآخر والتفكير بعقليته وظروفه.
مثال: عند بناء مصنع جديد في منطقة سكنية، يجب التفكير بوجهة نظر: صاحب المصنع، والسكان، والبيئيين، والعمال.
تطبيق برنامج الكورت1 لحل مشكلة "التأخر الدراسي لدى بعض طلاب الصف"
هذا الأمر هو تحدٍّ واقعي ومعقد، وتطبيق أدوات كورت 1 (توسيع مجال الإدراك) عليها سيساعدنا في تفكيكها ورؤيتها من زوايا غير تقليدية بدلاً من إلقاء اللوم على الطالب فقط.
ولنأخذ أهم 5 أدوات من كورت 1 ونطبقها عملياً على هذه المشكلة خطوة بخطوة:
1- اعتبار جميع العوامل (CAF)
قبل أن نضع أي حلول، يجب أن نجمع كل العوامل والظروف المحيطة بالطالب المتأخر دراسياً لتشخيص الحالة بدقة:
عوامل صحية ونفسية: ضعف النظر أو السمع، قلة النوم، سوء التغذية، أو وجود تشتت انتباه (ADHD).
عوامل أسرية: المشاكل العائلية، غياب المتابعة من الوالدين، أو عدم توفر بيئة هادئة للمذاكرة في المنزل.
عوامل مدرسية: أسلوب المعلم (قد يكون مملاً أو صارماً)، التنمر من الزملاء، أو صعوبة المنهج الدراسي نفسه.
عوامل تقنية: الإفراط في استخدام الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي لساعات طويلة.
2- وجهات نظر الآخرين (OPV)
كيف يرى أطراف المشكلة هذا التأخر الدراسي؟
وجهة نظر الطالب المتأخر: قد يشعر بالإحباط، أو العجز، أو الخوف من الفشل، أو ربما يشعر بالملل وعدم الجدوى من الدراسة.
وجهة نظر المعلم: يرى الطالب كمصدر تشتيت للفصل، أو يشعر بالتقصير تجاهه، أو يضغط عليه الوقت لإنهاء المنهج.
وجهة نظر الوالدين: يشعرون بالقلق على مستقبله، أو يلومون المدرسة والمعلمين، أو يمارسون ضغطاً عصبياً زائداً على الابن.
3- البدائل والخيارات والاحتمالات (APC)
بدلاً من الحل التقليدي المعتاد (وهو "التوبيخ أو إعطاء واجبات إضافية")، ما هي الخيارات البديلة المتاحة؟
البديل الأول: تصميم خطة تعليمية فردية ومبسطة تناسب مستوى الطالب الحالي.
البديل الثاني: دمج الطالب في نظام "التعلم بالأقران" (تعيين طالب متفوق في الفصل ليذاكر معه كأسلوب تشجيعي).
البديل الثالث: استخدام أساليب التعليم التفاعلي والألعاب التعليمية داخل الفصل لكسر الملل.
البديل الرابع: إشراك الطالب في أنشطة لا صفية (مثل الرياضة أو الإذاعة المدرسية) لتعزيز ثقته بنفسه أولاً.
4- الأولويات المهمة الأولى (FIP)
بعد أن جمعنا العوامل والبدائل، ما الذي يجب أن نبدأ به فوراً؟ ما هي أهم 3 أولويات؟
الأولوية الأولى: الفحص الطبي والنفسي السريع للتأكد من عدم وجود عائق عضوي (كالنظر أو السمع).
الأولوية الثانية: بناء جسر تواصل إيجابي وثقة بين المعلم والطالب (وقف أي توبيخ أو مقارنات مع زملائه).
الأولوية الثالثة: عقد اجتماع ودي مع أولياء الأمور لتنسيق خطة عمل مشتركة بين البيت والمدرسة.
5- النتائج والعواقب (C&S)
إذا طبقنا هذه الحلول والبدائل الذكية، ما هي النتائج المتوقعة على المدى الزمني المختلف؟
على المدى القصير (أسابيع): شعور الطالب بالأمان والراحة داخل الفصل، وزيادة دافعيته للمشاركة تدريجياً.
على المدى المتوسط (أشهر): تحسن ملحوظ في درجات الاختبارات، واكتساب الطالب لمهارات دراسية أفضل.
على المدى البعيد (سنوات): حماية الطالب من خطر التسرب الدراسي، وبناء شخصية ناجحة واثقة قادرة على مواجهة التحديات في المستقبل.
بهذه الطريقة، نكون قد نقلنا التفكير في المشكلة من مجرد "رد فعل غاضب" إلى "خطة عمل استراتيجية وموسعة".
اقرأ أيضاً: التفكير طريقك إلى العبقرية والإبداع
.webp)
