الأخلاق والعلم في عيون شاعر الإسلام أحمد محرم
إعداد: عادل فتحي عبدالله
شاء الله تعالى أن أتعرف على الشاعر العظيم أحمد محرم (1877م -1945 م) رحمه الله- في سن مبكرة جداً، من خلال مكتبة المدرسة الإعدادية والتي كانت تسمى باسمه، والتي كنت أحد طلابها في بداية ثمانينات القرن الماضي، وتعرفت على أشعاره المجيدة، كذلك من خلالها، ومن خلال أساتذة شعراء كبار ساروا على دربه، وشاعرنا العظيم هو أحد أبرز رواد مدرسة "البعث والإحياء" في الشعر العربي، ويُعرف بـ "شاعر العروبة والإسلام"، وصاحب النفس الملحمي الرائد في الشعر القصصي، تُمثّل "الإلياذة الإسلامية" وقصائده الوطنية قمة إبداعه، وسوف نتحدث عن نبذة قصيرة من حياته الملأى بالعطاء، والتي لو تحدثنا عنها وعن فكره وقصائده وجزالة أسلوبه وفصاحة قوله لاتسعت لذلك الكتب والمجلدات.
نبذة عن حياته:
الميلاد والنشأة
• الميلاد: ولد في 20 يناير 1877م بحي باب الوزير في القاهرة لأب تركي شركسي وأم مصرية.
• التسمية: سُمي "أحمد محرم" لولادته في الخامس من شهر محرم الهجري.
• الانتقال للريف: انتقل في طفولته مع والده إلى محافظة البحيرة.
• التعليم المبكر: تلقى مبادئ القراءة والكتابة في الكتّاب وحفظ أجزاء كبيرة من القرآن الكريم.
• التثقيف الذاتي: تعمق في قراءة السيرة النبوية، التاريخ، الحديث الشريف، وأمهات الكتب الأدبية.
مسيرته وحياته الاجتماعية
• الاستقرار: قضى معظم حياته في مدينة دمنهور عاصمة البحيرة ولم يهاجر إلى القاهرة.
• المنتدى الأدبي: كان يعقد ندوة شعرية ليلية شهيرة في "مقهى المسيري" بدمنهور تجمع مفكري وشعراء المنطقة.
• عزة النفس: اتصف بالعفة والترفع عن مدح الملوك والوزراء أو التزلف لأصحاب السلطة.
• التأثر السياسي: عاصر ثورة 1919 وحادثة دنشواي، وتأثر بالزعيمين الوطنيين مصطفى كامل وسعد زغلول.
• كان من أوائل الشعراء الذين ناصروا القضية الفلسطينية ونظموا قصائد تنبأت بنكبتها.
أبرز أعماله
تتجلى روائع الشاعر في إرثه العظيم الذي يتميز بجزالة اللفظ وقوة المعنى، ومن أبرزها
1) الإلياذة الإسلامية (ديوان مجد الإسلام)
تُعد درة أعماله، وهي ملحمة شعرية كبرى تتكون من نحو (3000) بيت، تسرد التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية العطرة بتسلسل زمني دقيق، مجسدةً أروع ملاحم البطولة الإسلامية، ومن أبياته في وصف بعض الغزوات:
مشي النبي يحف النصر موكبه مشيعا بجــلال اللــه مكتنفا
لم يبــق إذ سطـعت أنوار غرته مغني بمكة إلا اهتز أو رجفـا
تحـرك البيت حتى لو تطاوعــه أركانه خف يلقي ركبه شغفا
وافاه في صحبه من كل مزدلف فلم يدع فيه للكفار مزدلفــا
العاكفون على الأصنام أضحكهم أن الهوان على أصنامهم عكفا
كانـوا يظنــون ألا يستبــاح لها حمي فلا شمما أبدت ولا أنفا
نامــت شياطينهــا عنهـا منعمة وبات ماردها بالخزي ملتحفــا
هوت تفاريق وانقضت محطمة كأنها لم تكن إذ أصبحت كسفا
ريعت جيوش قريش من قذائفها وريع منها الخزاعي الذي قذفـا
2) قصائده في حب الرسول ﷺ
كتب عيون الشعر في مدح النبي، ومن أشهر روائعه قصيدته التي مطلعها:
يا طَريداً مَلأ الدُنيا اسمُهُ وَغَدا لَحناً عَلى كُلِّ الشِفاه
وَغَدَت سيرَتُهُ أُنشودَةً يَتَلَقّاها رُواةٌ عَن رُواه
3) الشعر الوطني والسياسي: ومن أشعاره في هذا المضمار
ليــالي يبـعثُ الإســلامُ منـا عــزائم تُخضِــع المتغطرسيـــنا
نثــلُّ عــروش جبـارينَ غُلبا ونجتــثُّ الممــــالك فاتحيــــنا
وقائعُ ترجُفُ الدُّولات منها ويـذكــرها القيــاصر صاغريـنا
تركنا الدهر ينتفض انتفاضا وغــادرنا الخـــلائق ذاهليـــنا
ببــأسٍ لا كِفــاء له وعـلم جلا الغمرَاتِ واكتسح الدجونا
ليــالي ظلل الأقوام جهل أضَلّــهُمُ فظلــــوا حائريــــنا
وقد امتازت قصائده الوطنية بطابع إسلامي عميق وتنديد بالاستعمار والدفاع عن قضايا الأمة، حيث كان صوتاً صادحاً بالحق، وسبّاقاً لتناول قضايا العالم العربي كالقضية الفلسطينية (مثل قصيدته الشهيرة "نكبة فلسطين")، والدفاع عن حمى الأوطان.
4) التربية والإصلاح الاجتماعي:
أري فســادا وشــرا ضاع بينهما أمـرُ العبــاد فلا دين ولا خلــق
الــدهر مغتسـل مـن ذنبـه بدم والأرض بالنار ذات الهول تحتــرق
قوم إذا ما دعا داعي الهدى نكصوا وإن أهاب بهم داعي الحمى استبقوا
لم يبق من محكم التنزيل بينهم إلا المــداد تــراه العين والــورق
ضاقت بهم طرق المعروف واتسعت مـا بــين أظهرهم للمنكر الطــرقُ
ضـج الصبـاح لما لاقت طلائعه من سوء أعمالهم واستعبر الغسق
كما برع في توظيف الشعر للدعوة للإصلاح ونبذ الجهل. ومن أشهر أبياته التي يدافع فيها عن تعليم المرأة، قوله:
جاهل ظن أن العلم مفسدة للبنت فانتقص التعليم وانتقدا
مهلا فرب فتاة أهلكت أسرا بجهلها وعجوز أفسدت بلدا
امتزجت قصائد أحمد محرم في التربية والأخلاق بالدعوة إلى الجد والعمل، ونبذ اللهو العبثي، بجانب تركيزه المكثف على بناء جيل واعٍ يتسلح بالعلم والمبادئ السامية لرفعة الأمة ودفع غوائل الجهل والكسل عنها.
ومن ملامح فلسفته الأخلاقية والتربوية
1) قصيدة "تعلّموا كيف تبني مجدَها الأممُ"
تُعد هذه القصيدة بياناً تربوياً كاملاً، يحث فيه الشباب على اغتنام طلب العلم ومحاربة التقاعس، ويقول في مطلعها:
تَعَلَّموا كَيفَ تَبني مَجـــــــدَها الأُمَمُ وَلِتَعظُموا كَم بَنى المَجدَ العَظيمَ كَمُ
قـوموا بَني مِصرَ إِنَّ الشَّرقَ مُنتَظِرٌ لِتَستَرِدّوا عُـلا خَـيـرِ الَّذي غَنِموا
خُـذوا مَـكـانَـكُـمُ فِـي النّاصِـريـنَ لَـهُ وَاسعَوا إِلَيهِ فَقَد طالَت بِهِ القَدَمُ
يا فِتيَةَ النّيلِ هَذا الشَّرقُ مُحتَفِــــــلٌ بِكُـم وَمَـوعِـدُكُـم يَـومٌ لَـهُ عِـظَـمُ
جُدّوا فَقَد دَخَلَ النّادي الَّذينَ بَنَـــــوا وَتَوَّجوا هَيكَلَ التّاريخِ وَارتَسَموا
لا يَـنـفَـعُ الـعِـلـمُ مَـن لا نِـيَّـةً لَـهُــمُ وَلا يَـفـي الـسَّـعـيُ إِلّا مَـن لَـهُ هِـمَمُ
شُدّوا الـعَـزائِمَ في يَقظانَ مُبتــــَدِئٍ لَـم يَـبقَ مِن جَهلِهِ مِقدارُ ما يَصِمُ
الـعِـلـمُ وَالـمَـجـدُ تَـوأَمانِ مـا لَـهُـمـا فِـي الـكَـونِ إِلّا الـتَّـآخي وَالـتَّـلائِـمُ
ابنوا الـمَـدارِسَ فِـي الآفـاقِ فـارِعَـةً وَعَـلِّـمـوا وَانـشُـروا الآدابَ تَـحـتَـشِـمُ
2) التمسك بالجد ورفض حياة اللهو وعادات الصبا
وكان شاعرنا العظيم أحمد محرم-رحمه الله- يرى الأخلاق التزاماً صارماً بالجد والصدق، وترفّعاً عن التوافه، وعبر عن استنكاره لمن يضيعون أعمارهم في مجالس العبث بقوله:
قالوا: زَمانُ الصِّبا لَهوٌ لِصاحِبِهِ ... فَقُلتُ مالي أَراهُ وَهُو لي كَمَدُ؟!
إِني اِمرُؤٌ ماجِدُ الأَخلاقِ فاضِلُها ... ما عابَني لَعِبٌ يَوماً وَلا فَنَدُ
سَمَوتُ بِالجِدِّ وَالصِّدقِ اللَذَينِ هُما ... خِدنَايَ أَيَّهُما أَبغي وَأَعتَمِدُ
3) ذم الكسل والاتكال على الماضي:
وكتب في ذلك قصيدة "نلومك يا يوم النحوس" هذه القصيدة التي انتقد فيها الأخلاق الاجتماعية السلبية كالتعلل بالظروف، ويرى أن الأخلاق الحقيقية تظهر في تحمل المسؤولية بدلاً من لوم الأيام والزمن، ويقول فيها:
وَنَحسَبُ أَنَّ الجِدَّ قَولٌ نُذيعُهُ ... وَتَحسَبُ أَنّا في المَقالَةِ نَهزَلُ
لَعَمرُكَ ما أَسلَفتَ فينا جَريرَةً ... وَلَكِنَّ شَعباً خامِلاً يَتَعَلَّلُ
يَلومُكَ فيما كانَ مِن جَهَلاتِهِ ... فَهَل كُنتَ تَغريِهِ لَياليَ يَجهَلُ؟
كَذَلِكَ شَأنُ العاجِزينَ وَهَكَذا ... يُسيءُ إِلى الأَيّامِ مَن لَيسَ يَعقِلُ
4) اهتمامه بتعليم المرأة وصيانتها:
لم يكن يعارض شاعرنا العظيم -كما ظن البعض- تعليم المرأة، بل كان يرى أن العلم ضرورة لها بشرط أن يكون مقيداً بالأخلاق والآداب والدين، لحمايتها من الأفكار الدخيلة، ولإداء واجبها بشكل صحيح وتربوي، لأنه بصلاحها تصلح الذرية ومن ثم يصلح المجتمع، وقال في ذلك:
جـاهل ظــن أن العــلم مفسدة للبنت فانتقص التعليم وانتقــدا
مهــلا فـرب فتـاة أهلكت أسرا بجهلهــا وعجــوز أفسدت بلدا
الأم للشــعب إما رحمة وهدى أو نكبة ما لها من دافـع أبـــدا
لا يذهب الشعب في أخلاقه صببا والأم تذهب في أخلاقه صعـدا
لا تيأســوا وأعـدوا الأم صالحة فهي السبيل إلى إصلاح ما فسدا
