التأخر الدراسي مشكلة لها حل
لا شك أن مشكلة التأخر الدراسي تؤرق كثيرا من الآباء والأمهات، ويرى البعض أن التأخر الدراسي سببه الأول والأخير هو الطالب نفسه، وعادة ما يلقون باللائمة عليه، أو على الوالدين متهمين إياهم بعدم الاهتمام بالطفل، أو إهماله، أو التقصير في متابعة دروسه وواجباته المنزلية، والحقيقة ان التأخر الدراسي مشكلة ذات أبعاد كثيرة، ومن خبرتنا الطويلة في المجال التربوي واجهنا أنواعاً مختلفة من التأخر الدراسي، وكثيراً منها لم يكن سببه الطالب نفسه، بل ربما كان هو الضحية في هذا الموضوع.
وفي هذا المقال نناقش مشكلة التأخر الدراسي بأبعادها المختلفة بهدف التوعية بهذا الموضوع من أجل التغلب على هذه المشكلة، والوصول إلى حلول جذرية لها، تلبية لرغبة الآباء والأمهات الذين قد يعانون من مثل تلك المشكلة مع أبنائهم، وسوف نوجز البحث بما هو أكثر أهمية حتى لا يمل القارئ، وحتى يصل إلى زبدة ما يريد بأقصر الطرق.
أولاً: الفرق بين التأخر الدراسي وصعوبات التعلم:
يجب أن يعلم القارئ الكريم أننا عندما نتكلم عن التأخر الدراسي فإننا لا نقصد صعوبات التعلم، حيث الفرق واضح بين طالب عادي متأخر دراسيا، وآخر يعاني من بعض الصعوبات في مهارات معينة (مثل: صعوبة القراءة "عسر القراءة"، الكتابة، أو الحساب)
فالأخير لدية عوامل (عصبية/وراثية) تؤثر على طريقة تلقي الدماغ للمعلومات ومعالجته لها، وهذا بلا شك يؤدي إلى تأخر دراسي، لكن ليس ما نقصده في هذا المقال، نحن نتكلم عن التأخر الدراسي لطالب عادي لا يعاني من صعوبات تعلم معينة، فهذا لديه مجال آخر، وطرق أخرى فنية، للتعامل معه، والأخذ بيديه للتقدم في المهارات المختلفة.
ثانياً تعريف التأخر الدراسي:
التأخر الدراسي ما هو إلا انخفاض ملحوظ في مستوى التحصيل الدراسي للطفل إذا ما قورن بزملاء الصف، في الكم والنوع، وقد يكون عام أو خاص، يعني في مادة معينة أو في كل المواد التعليمية، وهو ليس دليلا على قلة الذكاء أو انخفاض القدرات العقلية العامة للطفل، بل قد يكون نتيجة عوامل أخرى مختلفة تماماُ عن القدرات العقلية العامة، وهذا ما يجعله يحتاج إلى دعم تعليمي تربوي من متخصصين، يبحثون حالته لتحديد أوجه القصور التي يعاني منها الطفل ومن ثم التشخيص والعلاج.
ثالثاً أسباب التأخر الدراسي:
أسباب نفسية:
ضعف الدافعية عند الطالب: إذا لم يكن لدى الطالب دافعاً للتعلم وإذا لم يشعر بأهمية التعليم وتأثيره عليه مستقبلاً، فإنه لن يقبل على التعلم، وبالتالي من الطبيعي أن نجده متأخراً دراسياً، وربما فاشلًا تماما في دراسته، كيف لا وهو لا يجد أهمية للتعليم، ولا يشعر بخيبة الجهل، وضرره عليه، وعلى المجتمع.
الاضطرابات النفسية: وتتمثل بعض هذه الاضطرابات النفسية في القلق الزائد عن الحد أو الخوف الزائد أو التوتر، أو ضعف الثقة بالنفس، والخوف من الفشل المستمر، ، كذلك قد يكون الطفل ممن يعانون من اضطراب فرط الحركة وضعف الانتباه بدرجة من الدرجات، ومثل هذه الأمور، وهي تحتاج إلى بحث أسبابها، وعلاجها.
تشتت الدماغ: ويحدث ذلك عادة من كثرة استخدام الجوال والألعاب الإليكترونية، فيظل الطالب مشتت الذهن، ويفكر في أمور كثيرة، نتيجة تلك الاستعمالات الخاطئة، وهذا الأمر ثابت بالأبحاث الحديثة، ولا يحتاج إلى دليل اليوم.
أسباب اجتماعية:
مشاكل عائلية أو أسرية مستمرة: وهذه قد تؤثر على بعض الطلاب، ممن يتمتعون بحساسية شديدة تجاه تلك الأمور، أو قد يتخذها بعض الطلاب الأذكياء ذريعة للتهرب من المذاكرة، كما نسميها نحن- حجة يتحجج بها- حتى إذا وقع عليه اللوم أو الانتقاد قال إن هناك مشاكل، وكذا حتى يتهرب من واجباته ولا يؤدي ما عليه.
ضعف المتابعة الأسرية: حيث أن بعض العائلات أو الأسر هي أصلا غير مهتمة بالتعليم، أو بعض الأمهات اللواتي ينشغلن في أعمالهن وينسين الأطفال، وربما لا يقدرن المسؤولية حق قدرها، أو بعض الآباء الذين لا يقدرون التعليم وأهميته، فيكتسب منهم الطفل هذا الأمر، يجب أن نعلم أن أطفالنا يشعرون بنا بشكل جيد، ويعلمون كيف نفكر، بل أحياناً، بعض الأطفال الأذكياء يقرأون أفكار الوالدين، ويشعرون بمشاعرهم، فمهما قال الوالدين للطفل مثلا ذاكر يا بني، او اهتم بدراستك، وهم أصلا غير مهتمون بمستواه بشكل فعلي، فلن يهتم هو الآخر.
واقع الطفل ومحيطه الاجتماعي: عندما ينشأ الطفل في بيئة اجتماعية غير مهتمة بالتعليم، نتيجة بعض الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو النفسية، يتأخر دراسياً، كمن ينشأ في ملجأ للأيتام، ولا يجد من يهتم به من الناحية التعليمية، ولا النفسية، ويعاني من ظروف اقتصادية مرهقة، مثل هذا الطفل بلا شك يتأخر دراسياً، نتيجة تلك الظروف.
أسباب خاصة بالبيئة المدرسية:
تكدس الفصول الدراسية: هناك بعض الدول تعاني من ضعف البنية التعليمية وتكدس الفصول الدراسية، فتجد الفصل الواحد به 50 تلميذاً، أو أكثر، فكيف للمعلم مهما كانت قدراته، وإمكاناته التربوية أن يستوعب ذلك العدد، هذا خلاف المشاكل الأخرى التي قد تنشأ من كثرة العدد مثل كثرة المشاغبات من الطلاب، وعدم ضبط الصف من قبل المعلم، فيصبح الفصل فوضى، ولا يستطيع أغلب الطلاب فهم الدرس بشكل جيد، هذا خلاف كثرة تنمر الطلاب على بعضهم البعض، إلى غير ذلك من مشاكل سببها الرئيس كثرة عدد الطلاب وتكدس الفصول الدراسية.
الاعتماد على وسائل وطرق تدريس تقليدية: رغم التطور الذي نشهده في كافة المجالات التكنولوجية، لا يزال كثير من المدارس تعتمد على وسائل تعليمية وطرق تدريس تقليدية خالية من الإثارة والتشويق، مما يصرف الطلاب عن التعليم، وعن الانتباه للدرس أثناء شرح المعلم له، حيث أن طالب اليوم ليس هو طالب الأمس، هذا الطالب أصبح أكثر تشتتاً، واعتماداً على التكنولوجيا الحديثة، ويحتاج إلى التشويق والاثارة عند شرح الدروس حتى لا يصاب بالملل، كما أن بعض المواد كالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء ،تحتاج في الشرح إلى استعمال وسائل تعليمية حديثة حتى يستوعبها الطالب ويفهمها بكل جيد.
غياب القدوة من المعلمين: أحيانا يكون غياب المعلم القدوة هو السبب في التأخر الدراسي للطفل، فكم سمعنا من عدد من الطلاب يقول أحدهم: الأستاذ فلان كان سبباً في أنني كرهت مادة كذا، أو العكس حيث يقول آخر أن الأستاذ فلان كان سبباً في أني أحببت مادة كذا، فلا شك أن سلوك المعلم من الأهمية بمكان في العملية التعليمية، وفي إنعاش الصف الدراسي، وإنعاش أفكار الطلاب وعقولهم.
أساب صحية وجسدية
إصابة الطفل بسوء التغذية: يتسبب إصابة الطفل بسوء التغذية وبعض أنواع الأنيميا بضعف عملية التركيز لدى الطفل، ومن ثم عدم قدرته على المتابعة الجيدة لدروسه، وواجباته، وقديماً قالوا العقل السليم في الجسم السليم، وقد لا يكون سوء التغذية ناتجاً من الفقر الأسري على العكس تماماً، فإن بعض أطفال الأسر الغنية يعانون من سوء التغذية نتيجة الاعتماد على الوجبات الجاهزة، والتي تخلو عادة من العناصر الغذائية الضرورية للنمو عند الأطفال، وتعتمد بشكل أساسي على الكربوهيدرات، وتفتقر للبروتين والدهون والفيتامينات الأساسية التي يحتاجها جسم الطفل لينمو بشكل طبيعي، ولا أضر على الأطفال من الاعتماد على الوجبات الجاهزة وإهمال الطعام الصحي الطبيعي المتنوع من الخضروات والفاكهة الطازجة والبروتين من مصادره الأساسية النباتية والحيوانية.
مشاكل السمع والبصر والحواس المختلفة: حيث أن الطفل الذي يعاني من مثل هذه المشاكل ولا يتم علاجها بشكل جيد فلن يتقدم في مستواه الدراسي، إذ كيف يتقدم وهو أصلا لا يسمع المعلم بشكل جيد او لا يرى الدرس بشكل جيد، أو أن لديه بعض المشاكل الإدراكية الأخرى، كل هذا بلا شك يسهم بشكل فعال في انخفاض المستوى الدراسي.
اضطرابات النوم: وهذا يحدث غالبا نتيجة البيئة الأسرية التي تحرص على السهر ولا تدرك أن الطفل يجب أن ينام مبكرا ليستيقظ مبكراً، يجب أن يعلم الوالدين أن السهر هو عدو للأطفال والكبار والأطفال بصفة خاصة، والسهر يسبب لهم مشاكل واضطرابات فب النوم ومشاكل في القدرة على التركيز والاستيعاب، وكم وجدنا من طالب نائم أثناء الحصة، او طالب آخر شارد الذهن متثائب تداعبه الأحلام، وكل ذلك سببه السهر.
رابعاً علاج التأخر الدراسي
يعتمد العلاج على تحديد نوع التأخر الدراسي من حيث الأسباب التي ذكرناها سابقاً، ومن حيث هل هو تأخر عام أم تأخر خاص في مادة محددة، فإذا كان التأخر خاص في مادة معينة فالأمر أيسر، حيث يمكننا زيارة معلم المادة ومناقشة الأمر معه، وتحديد أوجه القصور التي يراها المعلم في الطفل ثم علاجها، فإذا لم يتقدم الطفل في المادة رغم اتباع الارشادات المطلوبة، أو كان كلام المعلم غير مقنع، فربما أن الطالب لديه مشكلة مع المعلم، عندئذ من الممكن أن نستشير إدارة المدرسة، أو أن نطالب بنقل الطالب إلى صف آخر ليكون مع معلم آخر.
أما إذا كان التأخر الدراسي عام في كل المواد فهذا يعني أن هناك مشكلة حقيقة لدى الطالب ويجب ألا يستهان بها، بل يجب بحث هذا الموضوع مع المرشد الطلابي-الأخصائي الاجتماعي- وكذلك مع الأخصائي النفسي إن وجد، لأنه ليس كل المدارس بها أخصائي نفسي، وإن كان ذلك أصبح ضرورياً هذه الأيام، ومن ثم تحديد أسباب المشكلة، من الأسباب التي ذكرناها آنفاً، أو غيرها من الأسباب المشابهة،
فالأسباب قد تتعدد، لكن من المهم أن نعلم أن المشكلة لها حل ولا نهملها، حتى لا تتفاقم، وتتراكم أوجه القصور والضعف فيصعب علاجها بعد ذلك، وقد عرضت علينا مئات المشاكل الخاصة بضعف التحصيل الدراسي، والتأخر الدراسي العام والخاص، وبفضل الله تم حلها بشكل جيد، وهناك كثير من الطلاب الذين كانوا في عداد المتخلفين دراسياً
فأصبحوا فيما بعد من الطلاب المتفوقين دراسياًـ ونالوا شهادات عليا في مجالات متنوعة، ويجب التنبيه أن الأمر يحتاج إلى صبر ومثابرة وتشجيع للطالب، وعدم التوبيخ وعدم التنمر على الطالب، أو أن نقول له أنت طالب فاشل، أو مثل هذه الكلمات، فكم من طالب فاشل أصبح من المتفوقين، حين آمن أهله بقدرته على التفوق، وقاموا بتشجيعه، ودفعه نحو الأمام.
المراجع:
عبد الهادي، نبيل (2004). بطء التعلم والتأخر الدراسي. دار وائل للنشر والتوزيع.
الفقي، حامد عبد العزيز (1982). التأخر الدراسي: تشخيصه وعلاجه. دار القلم.
عبد القادر، أبو بكر ساسي (2017). التأخر الدراسي: مفهومه، أسبابه، علاجه.
صبحي عبد اللطيف (1987). التأخر الدراسي: أسبابه وطرق علاجه. مجلة التربية، قطر.
الشخص، عبد العزيز (1992). أثر المناخ الأسرى والاجتماعي على التحصيل الدراسي.
أبو ديار، مسعد (2012). القياس والتشخيص لذوي صعوبات التعلم والتأخر الدراسي.
عبدالرؤوف طارق ، مفهوم الذات والتأخر الدراسي لدى الطلاب، القاهرة دار الجوهرة للنشر والتوزيع
كامل، محمد (2010). المتأخرون دراسياً: سيكولوجيتهم، تشخيصهم، وأساليب رعايتهم. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية
