كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس(الحلقة الثالثة)
بقلم: عادل فتحي عبدالله
تحدثنا في الحلقة السابقة عن القواعد الأساسية التي بنى عليها الكاتب الكبير دايل كارنيجي كتابه الرائع "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس"، ثم قمنا بشرح القاعدة الأولى من تلك القواعد وهي قاعدة: "لا تنتقد أو تدين أو تشتكي"
وتعتبر هي الركيزة الأولى والأساسية التي بنى عليها دايل كارنيجي كتابه بأكمله.
وفي هذه الحلقة نستكمل شرح قاعدتين في غاية الأهمية أيضاَ، أولهما قاعدة:
• "كن مستمعاً جيداً، وشجّع الآخرين على التحدث عن أنفسهم"
وهي واحدة من أقوى الأدوات الاجتماعية التي يركز عليها دايل كارنيجي، ويعتبرها "السر السحري" لكسب محبة الناس واحترامهم في وقت قياسي.
الشرح والتفصيل:
1) الأبعاد النفسية لشهوة التحدث عن الذات
• الرغبة في الشعور بالأهمية: يرى كارنيجي أن أعمق دافع في الطبيعة البشرية هو "الرغبة في أن يكون الشخص مهماً". عندما تستمع لشخص ما بإنصات، أنت تمنحه هذا الشعور مباشرة وبالمجان.
• الناس يهتمون بأنفسهم أولاً: آلام الأسنان التي يعاني منها الشخص الآن، تهمه أكثر من مجاعة تضرب قارة أخرى.
الناس يريدون التحدث عن إنجازاتهم، مشاكلهم، وأفكارهم، وليس عن إنجازاتك أنت.
• تفريغ الشحنات السلبية: الأشخاص الغاضبون أو المشتكون، حتى "المتذمرون المحترفون"، غالباً ما يهدأون ويتحولون إلى أشخاص ودودين إذا وجدوا مستمعاً صبوراً يمنحهم الوقت الكافي لتفريغ ما في صدورهم دون مقاطعة.
2) كيف تكون "مستمعاً جيداً" بمعايير كارنيجي؟
الاستماع الجيد ليس مجرد الصمت وانتظار دورك لتتكلم، بل هو فعل إيجابي يتطلب:
• الإنصات بالجسد والعقل: أن تنظر إلى المتحدث، وتتفاعل مع كلامه بإيماءات الرأس، والابتسام، وإصدار أصوات تؤكد متابعتك (مثل: نعم، صحيح، مذهل).
• طرح الأسئلة التي يسرهم الإجابة عنها: اسألهم عن تفاصيل تخص حياتهم، عملهم، أو هواياتهم. (مثال: "كيف نجحت في حل تلك المشكلة المعقدة؟" أو "ما الذي ألهمك للبدء في هذا المشروع؟").
• عدم المقاطعة: حتى لو كنت تختلف معهم في الرأي أو تعرف التكملة، لا تقاطعهم، لأن المقاطعة رسالة مبطنة تقول: "كلامي أهم من كلامك".
3) قصص وعبر من الكتاب
• المتحدث الساحر الصامت: يروي كارنيجي أنه حضر حفل عشاء والتقى بعالم نباتات شهير، ظل كارنيجي يستمع لهذا العالم لساعات بشغف، ويسأله عن أبحاثه دون أن يتحدث كارنيجي عن نفسه تقريباً. وفي نهاية السهرة، ذهب عالم النباتات لصاحب الحفل وقال له: "دايل كارنيجي متحدث ساحر ومحاور مذهل!". المفارقة أن كارنيجي لم يتكلم، هو فقط أحسن الاستماع.
• مكالمة هاتفية تنهي أزمة: واجهت شركة هاتف أمريكية عميلاً غاضباً جداً يرفض دفع الفواتير ويشتم الموظفين، أرسلت الشركة محاوراً ذكياً لمقابلته، لم يدافع الموظف عن الشركة، بل جلس يستمع لشكاوى الرجل لثلاث مقابلات متتالية، ويوافقه الرأي ويسجل ملاحظاته.
في المقابلة الرابعة، سدد العميل كل مستحقاته وسحب شكواه الرسمية، فقط لأنه وجد أخيراً من يستمع إليه ويقدر مظلمته.
خلاصة القاعدة
إذا أردت أن ينفر الناس منك، ويسخروا منك وراء ظهرك، فإليك الوصفة: "لا تستمع لأحد، وتحدث عن نفسك باستمرار، وإذا خطرت لك فكرة أثناء حديث غيرك، قاطعه فوراً لتستعرض ذكاءك".
أما إذا أردت أن تكون شخصاً محبوباً وجذاباً ومقنعاً، فتذكر دائماً: لكي تكون متحدثاً بارعاً، يجب أن تكون مستمعاً بارعاً.
• قاعدة "اجعل الشخص الآخر يقول (نعم) فوراً"
وهي واحدة من أذكى التقنيات النفسية التي يشرحها دايل كارنيجي لإقناع الآخرين وتوجيههم نحو أفكارك دون صدام.
يُطلق على هذه الطريقة في علم النفس والخطابة اسم "طريقة سقراط" (The Socratic Method)، وإليك تفصيلها وكيفية عملها:
1) الفكرة النفسية وراء القاعدة
عندما يتحدث شخصان، ويبدأ أحدهما بكلمة "لا"، فإن هذه الكلمة لا تخرج من اللسان فقط، بل تفرز حالة من المقاومة النفسية والجسدية كاملة، ينكمش الكبرياء، وتستعد عضلات الجسم للدفاع، ويصبح من الصعب جداً على الشخص التراجع عن "لائه" خشية أن يبدو ضعيفاً أو مهزوماً.
في المقابل، عندما تضع الطرف الآخر في حالة "نعم"، يحدث العكس تماماً:
• تنفتح العقلية وتصبح أكثر مرونة.
• يقل الدفاع النفسي ويسير الشخص معك في نفس الاتجاه.
• يتحول الحوار من "معركة تحتاج منتصراً" إلى "رحلة بحث عن اتفاق".
2) كيف تطبق هذه القاعدة عملياً؟
• ابدأ بالنقاط المشتركة: لا تبدأ حديثك أبداً بالنقاط التي تختلفان عليها. ابدأ بالتركيز على الأشياء التي تتفقان عليها، وأكد أنكما تسعيان وراء نفس الهدف ولكن بطرق مختلفة.
• اطرح أسئلة إجابتها الحتمية "نعم": وجه للشخص سلسلة من الأسئلة الذكية والموجهة التي لا يملك أمامها إلا أن يجيب بـ "نعم". بعد عدة إجابات إيجابية متتالية، ستجده يوافق بسلاسة على الفكرة الختامية التي كان سيرفضها لو طرحتها في البداية.
3) أمثلة وقصص من الكتاب
• قصة موظف البنك (جيمس إيبرسون): دخل عميل غاضب لفتح حساب في البنك، ورفض ملء بعض البيانات الشخصية في الاستمارة (مثل اسم أقرب الأقارب)، في الماضي، كان الموظف سيرفض فتح الحساب بصلابة ويقول: "هذه قوانين البنك"، لكنه طبق قاعدة كارنيجي، وسأل العميل وداً:
o الموظف: "هل تفضل أن تذهب أموالك في هذا الحساب إلى البنك في حال حدوث مكروه لك لا قدر الله؟"
o العميل: "لا، بالطبع لا!"
o الموظف: "أليس من الأفضل إذن أن تعطينا اسم أقرب الأقارب حتى نتمكن من تحويل الأموال إليه فوراً ودون تعقيدات قانونية؟"
o العميل: "نعم، هذا صحيح."
انفتحت نفسية العميل، وملأ البيانات كاملة بل وفتح حسابات أخرى بناءً على نصيحة الموظف.
• قصة مندوب مبيعات الموتورات (جوزيف أليسون): ذهب مندوب لشركة تصنيع لزيارة مهندس يرفض شراء محركاتهم بحجة أنها تسخن جداً.
لم يجادل المندوب، بل قال: "مهندس جوزيف، أنا أتفق معك، إذا كانت المحركات تسخن أكثر من اللازم فلا يجب أن تشتريها، أليس كذلك؟"
o المهندس: "نعم".
o المندوب: "حسب مواصفات الجمعية الوطنية، مسموح للمحرك أن ترتفع حرارته بمقدار 40 درجة فوق حرارة الغرفة، صحيح؟"
o المهندس: "نعم، هذا صحيح، ولكن محركاتكم أشد سخونة"
o المندوب: "كم تبلغ حرارة غرفتك الآن؟"
o المهندس: "حوالي 25 درجة".
o المندوب: "ممتاز، 25 + 40 تساوي 65 درجة، إذا وضعت يدك تحت مياه حرارتها 65، ألا تشعر أنها ساخنة جداً وتلسع يدك؟"
o المهندس: "نعم".
o المندوب: "إذن، أليس من الطبيعي أن يبدو المحرك ساخناً عند لمسه، رغم أنه يقع ضمن الحدود الآمنة؟"
o المهندس: "نعم، أظن ذلك"
انتهى الحوار بطلب مبيعات ضخم لم يكن ليحدث لو جادل المندوب في البداية.
خلاصة القاعدة
يقول مثل صيني قديم استشهد به كارنيجي: "من يمشِ ببطء ونعومة يقطع شوطاً طويلاً"، للحصول على موافقة الآخرين، لا تقتحم حصونهم الفكرية، بل خذهم من أيديهم خطوة بخطوة عبر بوابة "نعم" المشتركة.!
اقرأ أيضاَ: فنون القيادة والقيادة التربوية الناجحة
