مرحباً بك في موقعك المفضل (وعي أسري) هنا نكبر معاً، ونشارككِ رحلة التربية خطوة بخطوة لبناء أسرة واعية وسعيدة ومترابطة

كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس (الحلقة الثانية)


كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس (الحلقة الثانية)

بقلم: عادل فتحي عبدالله

منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وفي أحد أيام معرض القاهرة الدولي للكتاب، تعرفت على الكاتب ديل كارنيجي من خلال كتابه "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس" والذي صُدر بطبعته الأولى عام 1936 وكان قد كتبه بهدف تعزيز المهارات الاجتماعية وبناء علاقات إنسانية ناجحة تقوم على الثقة والاحترام المتبادل.، والحقيقة أنني وجدته كتاباً رائعاً، وأسلوبه غاية في السهولة واليسر والإثارة، وقبل أن نتناول الكتاب بالتلخيص لأهم بنوده وأفكاره نتعرف أولا على جزء يسير من سيرة صاحبه.

نبذه عن مؤلف الكتاب

ولد ديل كارنيجي (Dale Carnegie) عام 1888 وتوفي عام 1955، وهو كاتب ومطور دروس أمريكي مشهور، ويُعتبر الأب الروحي وعرّاب علم التنمية البشرية وتطوير الذات في العصر الحديث.

تميزت فلسفته بالبساطة والتركيز على العلاقات الإنسانية كأداة للنجاح.

وهذه نبذة مختصرة تلخص مسيرته وأبرز محطاته:

1) لمحة عن حياته (من الفقر إلى المجد)

• النشأة الصعبة: ولد في عائلة فقيرة جداً تعمل في الفلاحة بولاية ميسوري الأمريكية.

• نقطة التحول: اكتشف شغفه بالخطابة والإلقاء، فبدأ عام 1912 بتقديم دروس مسائية في "الخطابة والعلاقات العامة" بجمعية الشبان المسيحيين (YMCA) في نيويورك.

• النجاح الباهر: تحولت دروسه البسيطة إلى "معهد ديل كارنيجي" العالمي الذي درّب ملايين البشر، ومن بينهم رجال أعمال وقادة سياسيون.

مؤهلاته ومسيرته التعليمية:

2) المؤهل العلمي الأساسي

• الشهادة والتخصص: حصل على شهادة في التعليم (Education Degree).

• الجامعة: تخرج من كلية المعلمين الحكومية في وارنسبورغ (Warrensburg State Teachers College)، والتي تُعرف اليوم باسم جامعة سنترال ميسوري (University of Central Missouri).

• سنة التخرج: تخرج عام 1908

3) طبيعة دراسته وكفاحه

• كانت الكلية مخصصة لإعداد المعلمين، ولم يكن يملك رسوم السكن الجامعي؛ لذلك كان يعيش في مزرعة عائلته ويركب الحصان يومياً لمسافة طويلة ذهاباً وإياباً لحضور المحاضرات.

• خلال فترة دراسته، برز بشدة في نادي الخطابة والمناظرات بالكلية، وهو المكان الذي اكتشف فيه موهبته الاستثنائية في الإلقاء وتطوير المهارات الشخصية.

4) الدكتوراه الفخرية

في عام 1955 (وهو نفس العام الذي توفي فيه)، قامت جامعته الأم (جامعة سنترال ميسوري) بتكريمه تقديراً لإنجازاته وتأثيره العالمي ومنحته شهادة الدكتوراه الفخرية.

لقد أثبت كارنيجي بتجربته أن المهارات العملية والتواصل الإنساني اللذين ركز عليهما في كتبه هما المكمل الحقيقي لأي مؤهل أكاديمي.

5) فلسفته وأسلوبه في العمل

• الواقعية: اعتمد في أبحاثه على قصص واقعية وتجارب حية من التاريخ ومن حياة تلاميذه، بدلاً من النظريات الأكاديمية الجافة.

• البساطة: ركز على تغيير السلوك اليومي عبر خطوات عملية يسهل على أي شخص تطبيقها في منزله أو مكان عمله.

6) أهم مؤلفاته

ترك كارنيجي إرثاً من الكتب التي تُرجمت لعشرات اللغات وباعت ملايين النسخ حول العالم، ومن أبرزها:

• كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس (1936): كتابه الأشهر والأكثر مبيعاً عبر التاريخ، ويُعد الدليل الأول في العالم لبناء العلاقات الدبلوماسية والاجتماعية الناجحة.

• دع القلق وابدأ الحياة (1948): كتاب عبقري يناقش أسباب القلق النفسي والتوتر، ويقدم استراتيجيات عملية للتخلص من الهموم والعيش في "حدود اليوم".

• فن الخطابة والحديث المؤثر: كتاب مخصص لتعليم مهارات الإلقاء، ومواجهة الجمهور، والتحدث بثقة أمام الناس والتأثير فيهم.

• اكتشف القائد الذي في داخلك: كتاب يركز على مهارات القيادة، وتوجيه فرق العمل، والنجاح المهني في بيئات العمل المختلفة.


أما عن موضوعنا اليوم وهو تلخيص لأهم بنود وأفكار كتابه "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس" فإن الكتاب يتلخص في أربعة أقسام رئيسية تشمل قواعد عملية للتعامل اليومي والمهني:
صورة اثنين من الاصدقاء

1) الفنون الأساسية في معاملة الناس:


• لا تنتقد أو تدين أو تشتكي: النقد يجرح كرامة الشخص ويجعله في موقف دفاعي.

• قدّم التقدير الصادق المخلص: امدح المزايا الطيبة في الآخرين بصدق وابتعد عن التملق الزائف.

• أثِر في الشخص الآخر رغبة عارمة: تحدث عما يريده الطرف الآخر واشرح له كيف يحققه.

2) طرق تجعل الناس يحبونك


• أظهر اهتماماً حقيقياً بالآخرين: اهتم بشؤونهم ومشاكلهم بصدق.

• ابتسم دائماً: الابتسامة هي مفتاح القبول السريع ورسالة ود صامتة.

• تذكر أسماء الأشخاص: اسم الشخص هو أحب الأسماء وأجملها إلى سمعه.

• كن مستمعاً جيداً: شجع الآخرين على التحدث عن أنفسهم وعن إنجازاتهم.

• تحدث في إطار اهتمامات الشخص الآخر: ابحث عما يحبه الطرف الآخر واجعله محور حديثك.

• اجعل الشخص الآخر يشعر بأهميته: افعل ذلك بصدق وبدون مبالغة.

3) كيف تجذب الناس إلى طريقة تفكيرك


• تجنب الجدال: الطريقة الوحيدة للاستفادة من الجدال هي تجنبه تماماً.

• احترم آراء الآخرين: لا تقل لأحد أبداً "أنت مخطئ".

• اعترف بخطئك بسرعة: إذا كنت مخطئاً، اعترف بذلك فوراً وبقوة.

• ابدأ حديثك بطريقة ودية: الود يفتح الأبواب المغلقة دائماً.

• اجعل الشخص الآخر يقول "نعم" فوراً: ابدأ بالنقاط المشتركة التي تتفقان عليها.

• دع الطرف الآخر يتولى معظم الحديث: دعه يعبر عن أفكاره بحرية.

• اجعل الآخر يشعر أن الفكرة فكرته: الناس يثقون بأفكارهم أكثر من أفكار غيرهم.

• حاول رؤية الأشياء من وجهة نظر الآخر: ضع نفسك مكان الطرف الآخر لتفهم دوافعه.


4) كيف تكون قائداً وتغير الناس دون إثارة استيائهم


• ابدأ بالثناء والتقدير الصادق: مهد للنقد بذكر الإيجابيات أولاً.

• الفت الانتباه إلى الأخطاء بشكل غير مباشر: تجنب المواجهة الحادة.

• تحدث عن أخطائك أولاً: قبل أن تنتقد الآخرين، اذكر عيوبك السابقة.

• قدم اقتراحات بدلاً من إصدار أوامر مباشرة: اسأل "ما رأيك لو فعلنا كذا؟".

• احفظ للآخرين ماء وجوههم: لا تحرج أحداً أمام الناس.

• امتدح أقل بادرة تحسن: شجع التقدم مهما كان صغيراً.

• اجعل الخطأ يبدو سهلاً للإصلاح: امنح الطرف الآخر الثقة في قدرته على التغيير.

شرح لأهم قواعد الكتاب

• قاعدة "لا تنتقد أو تدين أو تشتكي" هي الركيزة الأولى والأساسية التي بنى عليها دايل كارنيجي كتابه بأكمله، ويعتبرها السر الأكبر في التعامل مع الطبيعة البشرية.

وها بعض التفصيل لهذه النقطة العميقة وأبعادها النفسية والعملية:

1) لماذا النقد أداة خطيرة وفاشلة؟

• يجرح الكبرياء: الكبرياء والاعتزاز بالنفس هما أثمن ما يملكه الإنسان. عندما تنتقد شخصاً، أنت تهاجم قيمته الذاتية مباشرة.

• يثير الدفاع الافتراضي: النقد لا يغير السلوك بل يضع الطرف الآخر في موقف دفاعي، حيث يبدأ فوراً في تبرير تصرفاته واختلاق الأعذار ليثبت أنه على حق.

• يولد الضغينة: أثبتت الدراسات النفسية أن النقد اللاذع يترك جروحاً وراءه قد تدوم لسنوات، وتدمر علاقات العمل أو الروابط الأسرية دون أن تُصلح الخطأ الأساسي.

• البشر عاطفيون لا منطقيون: يذكر كارنيجي أننا عندما نتعامل مع البشر، فنحن لا نتعامل مع مخلوقات منطقية، بل مع مخلوقات تحركها العواطف، والمليئة بالتحيزات والكبرياء والغرور.

2) بديل النقد: الفهم والتسامح

• ضع نفسك مكانه: بدلاً من إدانة الناس على تصرفاتهم، يقترح كارنيجي أن تحاول فهم "لماذا" تصرفوا بهذه الطريقة. هذا الفهم يولد التعاطف والصبر والتسامح.

• سر العظماء: يقول كارنيجي: "أي أحمق يمكنه أن ينتقد ويدين ويشتكي - ومعظم الحمقى يفعلون ذلك - ولكن الأمر يتطلب شخصية وضبط نفس لفهم الآخرين ومسامحتهم".

3) خطورة الشكوى المستمرة

• الشكوى المستمرة تجعل الشخص طاقة سلبية متنقلة ينفر الناس منها.

• بدلاً من الشكوى من الظروف أو من تصرفات الآخرين، ركز طاقتك على ما يمكنك تغييره وإصلاحه، وتكيّف مع ما لا يمكن تغييره.

4) أمثلة تاريخية وعملية من الكتاب

• رسالة إبراهام لينكون: في شبابه، كان رئيس أمريكا الأسبق لينكون ينتقد الناس ويسخر منهم علناً، حتى كاد ذلك أن يؤدي به إلى مبارزة بالموت مع أحد القادة.

منذ ذلك اليوم، قطع لينكون عهداً على نفسه ألا ينتقد أحداً أبداً، وخلال الحرب الأهلية، عندما عصى أحد جنرالاته أمره المباشر بالهجوم وتسبب في هروب العدو، كاد لينكولن أن ينفجر غضباً وكتب له رسالة عتاب قاسية جداً، لكنه لم يرسلها أبداً؛ لأنه علم أن النقد سيفيد فقط في تبرير القائد لنفسه وإحباط معنوياته.

• تجارب المصانع والشركات: يذكر الكتاب قصصاً لمدراء كانوا يوبخون العمال لعدم ارتدائهم خوذة الأمان، وكان العمال يرتدونها مجبرين ثم يخلعونها فور مغادرة المدير.

عندما غير المدراء أسلوبهم وبدأوا يسألون العمال عما إذا كانت الخوذة غير مريحة ويذكرونهم وداً بأنها لحمايتهم، زاد الالتزام بشكل مذهل ودون أي ضغينة.

خلاصة القاعدة

قبل أن تفتح فمك لتوجيه نقد أو لوم لشخص ما، توقف لثوانٍ وتذكر أن النقد مثل "الحمام الزاجل" سيعود إليك دائماً، وأن الشخص الذي ستنتقده سيحمي نفسه ويهاجمك في الغالب، استبدل اللوم برغبة حقيقية في استيعاب الدوافع.

تعليقات