مرحباً بك في موقعك المفضل (وعي أسري) هنا نكبر معاً، ونشارككِ رحلة التربية خطوة بخطوة لبناء أسرة واعية وسعيدة ومترابطة

أسرار تربية الأطفال وبناء الانسان عند أبي بكر الرازي



أسرار تربية الأطفال وبناء الانسان عند أبي بكر الرازي


بقلم: عادل فتحي عبدالله
صورة طالب يفكر


نبذة مختصرة عن أبي بكر الرازي

أبو بكر الرازي (864–925 م) هو عالم وطبيب مسلم موسوعي، يُعد من أعظم أطباء العصور الوسطى وأبا للطب في الحضارة الإسلامية، برع في الطب، والكيمياء، والفلسفة، ولقّبه مؤرخو العلوم بـ "طبيب العرب الأول" و"جالينوس العرب"

أبرز محطاته وإنجازاته:

• نشأته ومسيرته: وُلد في مدينة "الري" بالقرب من طهران، وتولى إدارة البيمارستان (المستشفى) فيها وفي بغداد.

• إنجازاته الطبية: أول من ابتكر خيوط الجراحة، وأسس علم "التشخيص التفريقي" عند تشخيصه لأمراض مثل الحصبة والجدري.

• إسهاماته الكيميائية: يُنسب إليه اكتشاف حمض الكبريتيك (زيت الزاج) واستخلاص الكحول بتقطير المواد النشوية.

• أشهر مؤلفاته: كتاب "الحاوي في الطب" الذي يُعد موسوعة طبية ضخمة، وكتاب "الأسرار في الكيمياء"

ملامح الفكر التربوي عند أبي بكر الرزي

الحقيقة أنه وكما هو معروف أن العلامة والطبيب والفيلسوف أبو بكر الرازي كانت جل شهرته في الطب، ويعرف كل مثقف اختراعاته في مجال الطب والتي أدت إلى تطور هائل في مجال الجراحة خصوصا، حتى سمي أبو الطب.

لكن الذي لا يعرفه الكثيرون أن أبو الطب، كانت له فلسفة تربوية خاصة، وطريقة في تربية الأبناء وتربية النفوس، وتهذيبها وإصلاحها أيضاً، ومع أن الرازي لم يكتب كتاباً تقليدياً في تربية الأطفال كالمناهج الدراسية، لكنه صاغ فكراً تربوياً شاملاً يعتمد على تطويع الهوى وتربية النفس بواسطة العقل، وقد لخص أفكاره التربوية في كتابه الشهير “الطب الروحاني”

 أبرز ملامح الفكر التربوي عند أبي بكر الرازي:


1) تقديم "العقل" كأداة تربوية أولية

• يرى الرازي أن التربية الناجحة تبدأ من تعظيم قيمة العقل منذ الصغر.

• يعتبر العقل هو الحاكم الذي يجب أن يضبط نزوات النفس وشهواتها.

• دعا إلى تدريب المتعلم على التفكير والتحليل بدلاً من التلقين الأعمى.




2) تربية النفس وتعديل السلوك (قمع الهوى)

• وضع منهجاً تربوياً صارماً لـ كبح جماح الهوى والشهوات، مثل الغضب، الحسد، البخل، والتعلق الزائد.

• يرى أن تلبية كل رغبات الطفل دون توجيه تفسد أخلاقه وتجعله عبداً لشهواته مستقبلاً.

3) استخدام "المحاكاة والقصص" في التربية

• كان الرازي يستخدم القصص وضرب الأمثال كأداة تعليمية لتقريب المفاهيم الصعبة.

• ضرب مثلاً تربوياً شهيراً بالأب الحكيم الذي يرسل ابنه في رحلة صعبة ومعه مرشد حكيم (رمزاً لإرسال الإنسان في الدنيا ومعه العقل ليوجهه).

4) التربية بالعلاج النفسي والموسيقى

• يُعد من أوائل من وظفوا التربية الفنية والجمالية؛ حيث استخدم الألحان والموسيقى الهادئة لتعديل سلوك المرضى وتحسين مزاجهم ونفسيتهم.

• ركز على أهمية البيئة المحيطة بالطالب وأثرها في استقراره النفسي والعقلي.


أولاً تقديمه العقل كأداة تربوية أولية:

إن تقديم العقل كأداة تربوية أولى عند أبي بكر الرازي يعني أن العقل هو الحاكم المطلق والموجه الأساسي لكل سلوك بشري، والهدف الأسمى للتربية هو تدريب هذا العقل ليكون رئيسًا وقائدًا، وليس تابعًا للهوى والشهوات.

في كتابه الشهير "الطب الروحاني"، لم ينظر الرازي إلى العقل كأداة لتحصيل العلوم المادية فقط، بل اعتبره "أداة لتقويم الأخلاق وعلاج النفس".

1) مفهوم "سيادة العقل" وعلاقته بالهوى:

افتتح الرازي كتابه "الطب الروحاني" بفصل كامل سماه "في فضل العقل ومدحه"، وأتبعه فورًا بفصل "في قمع الهوى وردعه" هذا الترتيب ليس عشوائيًا، بل يمثل جوهر فلسفته التربوية:

• العقل هو القائد المانح للحرية: يرى الرازي أن الله وهبنا العقل لنرى به العواقب، ونتدبر به الآثار البعيدة للأفعال، لا اللذة اللحظية فقط.

• الهوى هو العدو اللدود: يعرّف الرازي الهوى بأنه دافع غريزي أعمى يطلب اللذة العاجلة (مثل الغضب، الشره، الجشع) دون التفكير في الضرر المستقبلي.

• المعادلة التربوية: التربية عند الرازي هي "معركة مستمرة" يدرّب فيها المربي (أو الإنسان نفسه) العقل ليقهر الهوى، إذا انتصر العقل، تحققت التربية الأخلاقية الصالحة؛ وإذا انتصر الهوى، تحول الإنسان إلى رتبة البهائم.

2) أهم كلام الرازي ونصّه في هذا الموضوع

لعلّ أشهر ما كُتب في الفكر العربي عن تعظيم العقل تربويًا هو مقولة الرازي في بداية كتابه:

"إن الباري -عز وجل- إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جبلّة مثلينا نيله وبلوغه... فلا نجعله وهو الحاكم محكومًا، وهو السائس مسوسًا، وهو الرئيس مرؤوسًا... بل نرجع في الأمور إليه، ونعتمد فيها عليه، ونمضيها على قضائه وأمره"

من هذا النص نستنتج ثلاثة قوانين تربوية وضعها الرازي:

1. لا تجعل الحاكم محكومًا: صدمة تربوية يوجهها الرازي للمربين؛ فمن يطيع أهواء طفله أو أهواء نفسه، فقد جعل العقل (الحاكم الطبيعي) تابعًا وخادمًا للشهوة (المحكوم).

2. العقل يحسب العواقب: الحيوان يتحرك بالدافع اللحظي، أما الإنسان المتربي فيتحرك بالنظر إلى مآلات الأمور.

3. الذم الصارم لإهمال العقل: يقول الرازي إن من يعيش بلا تفكير أو تدبر في عواقب أفعاله، فإن "نصيبه من النطق نصيب البهائم".

3) التطبيق العملي لهذه الأداة في تعديل السلوك

كيف نستخدم العقل تربويًا وفق منهج الرازي؟ وضع الرازي خطوات عملية سماها "رياضة النفس" ويمكن تلخيصها كاالتالي:

• التدريب التدريجي منذ الصغر: يرى الرازي أن قمع الهوى يبدأ بالتدريج؛ فإذا اعتاد الطفل أن يُمنع عقليًا عن بعض شهواته الصغيرة، يسهل عليه التحكم في نزواته الكبرى عندما يكبر.

• البحث عن عيوب النفس: وضع الرازي فصلاً بعنوان "في تعرّف الرجل عيوب نفسه" واقترح فكرة تربوية رائدة: أن يتخذ الإنسان صديقًا عاقلاً بصيرًا يصارحه بعيوبه، ليقوم العقل بتحليل هذه العيوب ووضع خطة لعلاجها.

• ذم "اللذة" كهدف أساسي: التربية الحديثة قد تدلل المتعلم، أما الرازي فيرى أن اللذة ليست إلا "تخلصًا من ألم" (فالأكل لذيذ لأنه ينهي ألم الجوع)، وبالتالي، فإن السعي وراء اللذات المستمرة يفسد العقل البشري ويعطله عن أداء مهمته السامية.

بالتالي، تقديم العقل كأداة أولى يعني صناعة إنسان يملك كوابح داخلية ذاتية، يسوس نفسه بنفسه من خلال التفكير العقلاني المنطقي، دون الحاجة لرقابة خارجية مستمرة.

ولقد طبق أبو بكر الرازي منهجه العقلي بشكل صارم وعملي لعلاج الاضطرابات النفسية والسلوكية، وهو بذلك يكون قد سبق ما يُعرف اليوم في علم النفس الحديث بـ "العلاج المعرفي السلوكي" (Cognitive Behavioral Therapy) بعدة قرون، فقد كان يرى أن الانفعالات مثل الغضب والحسد والعشق هي أوهام أو "أمراض نفسية" يضخمها الهوى، والحل الوحيد هو تفكيكها منطقيًا بواسطة العقل لإبطال مفعولها.

كيف عالج الرازي هذه السلوكيات الثلاثة بالتفصيل:


1) علاج الغضب: تفكيك "الوحش" الداخلي

يرى الرازي أن الغضب ينبع من "النفس الغضبية" (الحيوانية)، وهو غريزة تدفع الإنسان للانتقام، عندما يغضب الإنسان يغيب العقل تمامًا ويتحول الشخص إلى كائن غير عاقل.

• وهو يرى أن العلاج العقلي للغضب يكون باتباع الخطوات التالية:

o تأجيل رد الفعل: يطلب الرازي من الغاضب إيقاف أي سلوك فورًا حتى يبرد الدم، لأن القرار أثناء الغضب جنون محض.

o المحاكمة المنطقية: يأمر الرازي الغاضب بأن يتخيل نفسه في مرآة أثناء غضبه؛ ليرى كيف يتشوه شكله وتظهر قباحته، ويقارن بين هيئته وهو عاقل وهيئته وهو هائج.

o تحجيم المسببات: يدعو العقل إلى التفكير في تفاهة الأسباب التي أدت للغضب (مثل ممتلكات مادية أو كلمات عابرة) ومقارنتها بالخسائر الفادحة التي قد تترتب على الانتقام.

2) علاج الحسد: إثبات عدم منطقية الرذيلة

يعرّف الرازي الحسد بأنه مزيج من البخل واللؤم، وهو ألم يلحق بالشخص لمجرد رؤية النعمة عند الآخرين، هنا يتدخل العقل ليثبت للمحسود أن سلوكه "غير منطقي" ويضره هو أولاً.

• العلاج العقلي للحسد:

o حساب الأرباح والخسائر: يطلب الرازي من المحسود أن يفكر بعقله: "هل حسدك للمحسود سيزيل النعمة عنه؟" الإجابة منطقيًا: لا. "هل حسدك سيجلب لك النعمة؟" الإجابة: لا.

o كشف الألم الذاتي: يوضح العقل للمحسود أنه بحسده يختار طواعية أن يعذب نفسه ويقلق نومه، بينما الشخص المحسود يعيش في راحة ونعيم، وبذلك يكون الحسد غباءً عقليًا لأنه يضر صاحبه فقط.

o النظر إلى كلفة النعمة: يدعو العقل لتأمل ما يمر به الآخرون؛ فالغني أو ذو الجاه دفع ثمنًا من صحته أو وقته أو همومه للحصول على ميزته، والعقل السليم لا يطلب النتيجة دون دفع الثمن.

3) علاج العشق: استئصال الوهم قبل التمكن

تعامل الرازي مع العشق (التعلق المرضي الهوسي) كمرض نفسي وعقلي خطير، وليس كحالة رومانسية، يرى أن العشاق يقعون في فخ الجهل لأنهم يضفون صفات الكمال على المعشوق، وهو مجرد بشر.

• العلاج العقلي للعشق:

o الوقاية المبكرة (الفطم): يقول الرازي إن منع النفس عن أول خيوط العشق أسهل بكثير من علاجها بعد التمكن على العقل أن يتدخل فورًا لـ "فطم" النفس وقطع التفكير بالمعشوق.

o كشف العيوب وتفكيك الوهم: إذا تمكن العشق، يطلب الرازي من العاشق تشغيل عقله لرصد عيوب المعشوق (الجسدية، الأخلاقية، والنفسية) وتضخيمها في ذهنه، بدلاً من التركيز على المحاسن فقط.

o الانشغال بالعلوم والعمل: يرى الرازي أن العشق يصيب "النفوس الفارغة"؛ لذا فإن العلاج السلوكي هو إشغال العقل بالرياضيات، الفلسفة، أو تدبير المعاش، لكيلا يجد الفكر وقتًا للوهم.

o المفارقة التدريجية: السفر والابتعاد عن مكان المعشوق لتعويد النفس على الغياب.


باختصار، منهج الرازي يقوم على "استجواب الأفكار"؛ فكلما مالت النفس لسلوك رديء، وقف العقل ليسألها بالمنطق والحجة عن العواقب والنتائج، حتى تقتنع النفس وتتراجع.


تعليقات