بقلم: عادل فتحي عبدالله
هل للحب بين الأزواج لغة لا نعرفها، أم له عدة لغات، أم أن الحب أصلا هبة من الله سبحانه وتعالى يهبها لمن يشاء من عباده تجاه من يشاء، أم هو تقابل وتلاقي للأرواح قبل الأجساد، أم هو آية من آيات الله تعالى؟!
قال الله تعالى: " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (21)
يقول ابن كثير في تفسير الآية: "ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك" .
وفي تفسير القرطبي: " المودة والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على بعض. وقال السدي: المودة: المحبة، والرحمة: الشفقة ; وروي معناه عن ابن عباس قال: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء."
إذا فالمودة والرحمة أمران مطلوبان وضروريان لاستمرار الحياة الزوجية، كما وأنهما من لطف الله بالبشر، ومن آياته.
ثم أن الحب عادة ما يحصل بين الأرواح قبل الأجساد، وفي الحديث الصحيح: "الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ فما تعارفَ منها ائتلفَ وما تناكرَ منها اختلفَ" رواه مسلم
فالأرواح التي توافقت على نفس الصفات والطباع عادة ما تنجذب لبعضها البعض، والتي اختلفت عادة ما تختلف وتبتعد أو تتنافر عن بعضها البعض، كما جاء في الحديث الشريف.
ولما نزل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على أهل الكوفة، قال: يا أهل الكوفة، قد علمنا خياركم من شراركم، فقالوا: كيف ذلك؟ قال: "كان معنا ناس من الأخيار، فنزلوا عند ناس؛ فعلمنا أنهم من الأخيار، وكان معنا ناس من الأشرار، فنزلوا عند ناس؛ فعلمنا أنهم من الأشرار".
وهكذا تجتمع الأشباه والنظائر، والطيور على أشكالها تقع، كما هو معروف.
ولكن ما هي لغات الحب الخمس، ومن تحدث عنها وأصَّل لها؟
لغات الحب الخمس هي نظرية طورها الدكتور غاري تشابمان، وتوضح أن لكل شخص طريقة محددة يشعر من خلالها بالحب ويعبر بها عنه.، وإن فهم هذه اللغات بين الشريكين يمنع الجفاء العاطفي ويسهم في نجاح العلاقة.
لكن من هو غاري تشابمان؟
الدكتور غاري تشابمان (Gary Chapman) ، وهو مستشار علاقات أسرية، ومؤلف، ومقدم برامج إذاعية أمريكي شهير، ولد في 10 يناير 1938.
يُعد تشابمان أحد أبرز الخبراء عالمياً في تطوير العلاقات الزوجية وإرشاد المقبلين على الزواج.
نبذة عن مسيرته وإنجازاته
• الخلفية الأكاديمية: حصل على درجة الدكتوراه (Ph.D.) في علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) من جامعة ميسيسبي، ودرس الدعم الإرشادي والتعليمي للعلاقات، مما منحه فهماً عميقاً للسلوك البشري والثقافات المختلفة.
• الخبرة العملية: يمتلك خبرة تتجاوز 35عاماً في مجال الاستشارات الزوجية وإدارة الندوات العائلية. استلهم فكرة "لغات الحب الخمس" من واقع المشاكل المتكررة التي كان يسمعها من الأزواج في عيادته الاستشارية.
• النجاح المدوّي للكتاب: أصدر كتابه الشهير عام 1992. حقق الكتاب مبيعات خيالية تجاوزت 20مليون نسخة، وتُرجم إلى أكثر من 50 لغة حول العالم، وظل متصدراً لقائمة "نيويورك تايمز" لأكثر الكتب مبيعاً لسنوات طويلة.
• التوسع في السلسلة: بعد نجاح الكتاب الأول، طوّر تشابمان السلسلة لتشمل مجالات أخرى؛ فأصدر: "لغات الحب الخمس للأطفال"، "لغات الحب الخمس للمراهقين"، ونسخاً مخصصة لغير المتزوجين (العازبين)، وأخرى لبيئات العمل.
• النشاط الإذاعي:رغم تقدمه في العمر- 88عاماً- لا يزال يقدم برامج إذاعية شهيرة في أمريكا مثل A Love Language Minute و Building Relationships، والتي يطرح من خلالها نصائح عملية وسريعة لبناء بيوت مستقرة.
ما هي لغات الحب الخمس وكيف نطبقها؟
1) كلمات التشجيع (Words of Affirmation):
o التعبير بالمدح والثناء المستمر.
o قول عبارات الشكر والامتنان اليومية.
o تجنب النقد الجارح لأنه يؤذيهم بشدة.
2) تكريس الوقت (Quality Time):
o قضاء وقت مشترك بتركيز كامل.
o الإنصات دون الانشغال بالهاتف المحمول.
o ممارسة أنشطة وهوايات مشتركة معاً.
3) تبادل الهدايا (Receiving Gifts):
o تقديم هدايا تعبر عن التفكير بالآخر.
o التركيز على القيمة المعنوية لا المادية.
o تذكر المناسبات السعيدة بلمسات خاصة دائماً.
4) الأعمال الخدمية (Acts of Service):
o تقديم المساعدة في المسؤوليات والمهام اليومية.
o تخفيف الأعباء دون طلب مباشر ومسبق.
o الأفعال هنا تصدق الكلمات والوعود دائماً.
5) الاتصال الجسدي (Physical Touch):
o التعبير عن الحب بالإمساك باليد والعناق.
o القرب المكاني يشعرهم بالأمان والقبول النفسي.
o غياب هذا التواصل يشعرهم بالتباعد والإهمال.
كيف يمكنك اكتشاف لغة الحب الخاصة بك أو بشريك حياتك؟!
هناك طرق عملية تساعدك في تحديد لغة الحب بدقة:
1) طرق اكتشاف لغة الحب الخاصة بك
انتبه إلى الطريقة التي تتعامل بها مع نفسك ومع الآخرين عبر ثلاثة مؤشرات:
• رصد طريقة تعبيرك عن الحب: كيف تعبر عن امتنانك للمقربين منك؟ (هل تمدحهم، أم تقدم لهم هدايا، أم تطبخ لهم؟). الطريقة التي تعطي بها الحب هي غالباً الطريقة التي تحب أن تستقبله بها.
• تحليل أكثر ما يزعجك ويؤلمك: ما الذي يسبب لك الضيق الشديد؟ إذا كان انشغال الشريك بهاتفه يزعجك، فلغتك هي تكريس الوقت، وإذا كان النقد يؤذيك، فلغتك هي كلمات التشجيع.
• تذكر طلباتك المتكررة: ما الذي تطلبه دائماً من الطرف الآخر؟ (مثال: "لم نخرج معاً منذ فترة" تعني تكريس الوقت، "ساعدني في هذا الأمر" تعني الأعمال الخدمية).
2) طرق اكتشاف لغة الحب الخاصة بشريكك
تعتمد هذه المرحلة على قوة الملاحظة الذكية خلال المواقف اليومية:
• لاحظ بماذا يشتكي عادةً: استمع جيداً لشكواه العفوية؛ فهي المفتاح لغرفته العاطفية الفارغة (مثال: "أنت لا تمدح مظهري أبداً" تعني أن لغته هي كلمات التشجيع).
• راقب أسلوبه في إسعادك: الشريك يقدم لك ما يتمنى هو الحصول عليه، إذا كان يحرص على جلب الهدايا لك دون مناسبة، فهو على الأرجح يرى الحب من خلال تبادل الهدايا.
• اختبر ردود أفعاله (طريقة التجربة): جرب التركيز على لغة معينة لمدة أسبوع ولاحظ أثرها؛ امدحه في أسبوع، وساعده في مهامه في الأسبوع التالي، وانظر أي الأساليب جعله أكثر سعادة وهدوءاً.
كيف تتعامل مع شريك حياتك إذا كان يمتلك لغة حب مختلفة
التعامل مع شريك يمتلك لغة حب مختلفة تماماً يشبه التحدث بلغة أجنبية؛ يتطلب الأمر تعلماً وممارسة، لكنه يحقق انسجاماً عميقاً ويمد جسور التواصل بينكما، الاختلاف هنا ليس دليلاً على عدم التوافق، بل هو فرصة للنمو العاطفي المشترك
والخطوات التالية تساعد في التعامل مع هذا الاختلاف بنجاح:
1) تقبل الاختلاف كأمر طبيعي
• افصل بين الحب وطريقة التعبير عنه: تذكر دائماً أن شريكك يحبك، لكنه يعبر عن هذا الحب بالطريقة التي يفهمها هو، وليس بالطريقة التي تتوقعها أنت.
• توقف عن لوم الشريك: غياب التعبير بلغتك لا يعني الإهمال المتعمد، بل يعني عدم الوعي باحتياجاتك الفردية.
2) تعلم "اللغة الثانية" وتدرب عليها
• ابدأ بخطوات صغيرة: إذا كانت لغة شريكك هي "كلمات التشجيع" وأنت شخص قليل الكلام، لا تحاول كتابة قصائد؛ يكفي أن تبدأ بعبارة شكر يومية بسيطة مثل "شكراً لأنك في حياتي".
• ضع تذكيرات ذكية: إذا كانت لغته هي "تبادل الهدايا" وأنت تنسى ذلك، ضع منبهات على هاتفك للتخطيط لهدية بسيطة ومفاجئة كل شهر.
• اجعل الأمر يبدو عفوياً: ادمج لغة شريكك في جدولك اليومي حتى تصبح عادة تلقائية مع مرور الوقت.
3) اطلب ما تحتاجه بوضوح (دون افتراض)
• تجنب لغة الشكوى: بدلاً من قول "أنت لا تهتم بي أبداً"، قل "أنا أشعر بالحب والدعم الشديد عندما تجلس معي لنتحدث دون هواتف".
• كن محدداً في طلبك: الشريك لا يستطيع قراءة أفكارك، وجهه مباشرة للفعل الذي يسعدك (مثال: "يسعدني جداً لو ساعدتني في ترتيب المطبخ اليوم").
4) قَدّر محاولات الشريك (وإن كانت ناقصة)
• امتدح جهوده: عندما يحاول شريكك التحدث بلغتك حتى لو بدا مرتبكاً أو غير متقن، شجعه واشكر محاولته؛ الثناء يدفعه للاستمرار وتطوير أسلوبه.
• ترجم أفعاله بعقلك: عندما يقوم الشريك بفعل ينتمي للغته هو (مثل إصلاح عطل في المنزل)، ترجم هذا الفعل في عقلك فوراً على أنه يقول لك: "أنا أحبك".
5) ابحث عن نقاط الالتقاء المشتركة
• خلق طقوس خاصة: اتفقا على أنشطة تجمع بين لغتكما معاً (مثال: إذا كانت لغتك تكريس الوقت ولغته الأعمال الخدمية، يمكنكما الطهي معاً كنشاط مشترك يجمع بين المساعدة وقضاء الوقت).
ملاحظات عامة حول لغات الحب
• التعبير عن الحب أوسع وأعمق من أن تختصره خمس لغات فقط؛ فالمنظور الإنساني الشامل يرى أن لغات الحب هي "بصمة عاطفية" فريدة ومتغيرة، تتشكل وتتطور بناءً على نضج الإنسان، وتجاربه السابقة، وظروفه الحياتية المستجدة
• الحب في جوهره ليس مجرد تصنيفات جامدة، بل هو مرونة نفسية وقدرة على التكيف مع الشريك.
• لغات الحب ليست ثابتة (تتغير بتغير ظروف الحياة)
• الإنسان كائن متطور، ولغته العاطفية ليست شفرة جينية ثابتة لا تتغير:
• تأثير مراحل العمر: لغة الحب لشاب في العشرين (قد تكون كلمات الغزل) تختلف تماماً عن لغته في الأربعين بعد إنجاب الأطفال (حيث تصبح المساعدة والمسؤولية هي أعلى درجات الحب).
• تأثير الضغوط: في أوقات الأزمات المادية أو الصحية، قد تتقدم لغة "الدعم النفسي والأعمال الخدمية" على أي لغات أخرى كانت سائدة سابقاً.
• إذا نظرنا للحب بصفة عامة، سنجد أن البشر يبتكرون لغات جديدة تماماً للتعبير عن تعلقهم، ومنها:
1) لغة "المساحة الآمنة" (Safe Space): أن تمنح الشريك حرية أن يغضب، أو يحزن، أو يفشل، دون أن يخاف من حكمك عليه أو لومه؛ كأنك تقول له "أنا أقبلك في أسوأ حالاتك".
2) لغة "النمو المشترك" (Shared Growth): الحب هنا يترجم عبر تشجيع الطرف الآخر على تحقيق طموحه، ومشاركة الكتب، وتطوير الذات معاً؛ فالأمان العاطفي ينبع من الرؤية المستقبلية المشتركة.
3) لغة "التفاصيل الصغيرة جداً" (Micro-attention): تذكر الأمور العابرة التي يفضلها الشريك (مثل طريقة شربه للقهوة، أو خوفه من صوت معين) وتجنبها أو توفيرها دون أن يطلب؛ هذا الانتباه الدقيق يوصل رسالة حب عميقة جداً.
4) الذكاء العاطفي" وهو المترجم الحقيقي للعلاقات بين البشر عموماً وبين الأزواج خصوصاً.
5) المرونة عِوضاً عن التعصب للغة واحدة: التركيز على لغة واحدة فقط قد يتحول إلى أنانية (مثال: "أنا لغتي الهدايا ولن أعبر بغيرها"). الذكاء العاطفي يتطلب أن تتدرب على تقديم كل اللغات حسب ما يقتضيه الموقف.
6) الحب كـ "مزيج" (Hybrid): لا يوجد إنسان يمتلك لغة واحدة بنسبة 100%؛ نحن جميعاً نحتاج للكلمة الطيبة، واللمسة الحانية، والمساعدة، والهدية، الفارق فقط يكمن في ترتيب الأولويات العاطفية من شخص لآخر.
اقرأ أيضاَ: تخلص من الملل في الحياة الزوجية
