منهج لقمان الحكيم في التربية: 8 قواعد لتنشئة طفل صالح
بقلم: عادل فتحي عبدالله
التعريف بلقمان الحكيم:
جاء في المراجع التاريخية أن لقمان الحكيم أحد أبناء آزر أبو سيدنا إبراهيم عليه السلام، وأنه تعلم على داوود عليه السلام وأن داوود عليه السلام عينه قاضياً على بني إسرائيل أنداك، ثم قاضي القضاة لحكمته وعلمه الغزير، واختلف المؤرخون هو كان لقمان نبياً أم رجلا صالحاً حكيما فقط، والغالب أنه كان رجلاً صالحاً حكيما كما جاء واضحاً في القرآن الكريم، قال تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)"
قال المفسرون : الحكمة المقصودة في الآية الكريمة أنها:(الفقه والعقل والإصابة في القول ) ، وقال آخرون أنها: (الفهم والعلم والتعبير) ، حقيقة لقد كان لقمان معبراً حقاً بصورة بلاغية عميقة، ولقد كان تربوياً، في بلاغه الحق والعلم والحكمة، فكان يستخدم ما نسميه نحن الآن الأساليب التربوية الحديثة في مخاطبة المتعلم، خاصة حين يكون هذا المتعلم هو الابن، ولأن لقمان قد نال الحكمة من الله تعالى فإنه لذلك كان موجزاً في كلماته معبراً شارحاً بطريقة تربوية رائعة، ويمكننا إيجاز طريقته التربوية ومنهجه في الخطاب التربوي في عدة نقاط :
منهج لقمان الحكيم في التربية
1. التربية بالحب:
ونلحظ ذلك الحب والود في قوله يا بني: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) سورة لقمان:13
تلحظ في كلامه الود والحب وطريقة الحوار المستخدمة في الموعظة كلها تدل على حكمة لقمان في التعامل مع الولد الصغير، حتى أنه يبين له السبب في كل ما يدعوه إليه، ولا يفرض عليه الأمر فرضاً، حتى يتعلم الولد أن لكل شيء سببا، فيلتزم عن اقتناع وعن رغبة وحب عميق وليس لأن أباه أمره بهذا فقط، وهذه طريقة تربوية عظيمة تعلمها لقمان الحكيم وعلمها ولده.
2. الاهتمام بالأولويات:
وهذا درس مهم في التربية إذ أن ترتيب الأولويات والأهم ثم المهم، يعتبر من أهم دروس التربية، بل وأهم دروس الحياة بصفة عامة، فكان الأمر الأول هو التوحيد، ألا يشرك بالله: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) سورة لقمان:13
ثم يبين له السبب أن الشرك ظلم عظيم، وكيف لا والمشرك قد ترك عبادة خالقه العظيم الله جل وعلا ليعبد مخلوق مثله، لا يملك له ولا لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يملك بعثا ولا حياة ولا نشورا، فكانت العقيدة وهي أولى الأولويات في الحياة وهي الأساس الذي يبنى عليه العمل، إذا أن العمل على عقيدة فاسدة لا فائدة منه، وهو في الآخرة هباء منثورا. (وقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) الفرقان:23
3. التقوى ومراقبة الله تعالى:
ومن أهم الأمور التربوية غرس تقوى الله ومراقبته في نفس الطفل منذ الصغر، وأن يعرف الطفل أن الله مطلع عليه، فينشأ على التقوى، واليقين، قال الله تعالى : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)
يعني أن الله مطلع على كل شيء، وهو على كل شيء قدير، وقد أحاط بكل شيء علما.
4. التربية العملية:
ثم يأتي إلى الدرس الثالث من حيث الأهمية، وهو العبادة، نعم العبادة التي تهذب النفوس، وتقرب العبد أكثر من ربه سبحانه وتعالى، وهي تعد التربية العملية كما نسميها في العصر الحديث، فلابد من العمل الذي يهذب النفس ويربيها، قال تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) لقمان:17
إقامة الصلاة، وهي العبادة الأولى التي أول ما يحاسب عنها العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله إن فسدت فسد سائر عمله، كما جاء في الحديث " أولُ ما يحاسبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ الصَّلاةُ، فإنْ صَلَحَتْ، صَلَحَ سائِرُ عَمَلِه، وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سائِرُ عَمَلِه" كما في صحيح الترغيب للألباني.
5. بناء المسؤولية الاجتماعية:
ثم يأتي الدرس الذي يليه في نفس الآية الكريمة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو المسؤولية الاجتماعية للفرد، حتى يظل المجتمع محافظاً على القيم والأخلاق، وفيه أحاديث كثيرة كما نعلم، وهو ما نسميه في التربية التفاعل الاجتماعي، فلابد للفرد ان يتفاعل مع المجتمع، وأن يتعامل معه بإيجابية، لأن الانسان كائن اجتماعي بطبعه، ومهما حاول الشخص الانعزال فلابد له من التعامل مع البشر، لأن حاجته مع حاجاتهم، وهو بهم ولهم ومنهم مهما ابتعد عنهم اقترب، فكل منا يحتاج للآخر ، وهكذا خلقنا الله تعالى يكمل بعضنا بعضاً، ويحتاج بعضنا للآخر.
6. فهم طبيعة الناس والصبر عليهم:
ولما كانت الحياة الاجتماعية ضرورة لا مناص منها، ولما كان الناس مختلفين بلا شك، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين) هود:118.
ولهذا كان التعامل مع الناس يوجب الصبر عليهم، خاصة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما وصى لقمان ابنه، كان لابد بعدها من التوصية بالصبر، لأنه سيواجه بالتعنت احياناً، وبالاعتراض أحيانا أخرى، وربما بالأذى أيضاً، ثم يبين له أن الصبر من عزم الأمور، فالصبر ليس سهلاً، ولكنه يحتاج للإخلاص أولاً، ثم يحتاج للتدريب، إنما الصبر بالتصبر، وهو أمر عظيم حقاً، حيث قال الله تعال عن الصبر:(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُو) الشورى: 43
7. الذكاء الاجتماعي وضبط السلوك العام:
وهو ما يتضح فيما يمكن أن نسميه الوصية الاجتماعية، حيث قال: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)
الناس عادة تنفر من الشخص المتكبر، ولا تحبه، ولا تتقبل منه الكلام ولا الموعظة الحسنة، والكبر ذنب عظيم لا يغتفر، إلا بالتوبة والإنابة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لا يدخلُ الجنَّةَ من كانَ في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ مِن كِبْرِ) أخرجه مسلم
ثم يعلمه الآداب الاجتماعية الأخرى من القصد في المشي والاعتدال، وغض الصوت وعدم رفعه إلا عند الحاجة الضرورية، وهذه آداب لو لم بتعلمها الطفل في الصغر فلن يتعلمها في الكبر، لأنه سينشأ عليها ولن يستطيع تغييرها بعدما صارت جبلة وطبعاً له، وقديماً قالوا: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر والتعليم في الكبر كالنقش على الماء، ومن شب على شيء شاب عليه.
وكما قال الشاعر أبو العلاء المعري:
وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ
وَما دانَ الفَتى بِحِجىً وَلَكِن يعَلِّمُهُ التَدَيُّنَ أَقرَبوهُ
اقرأ أيضاً: أسرار تربية الأطفال وبناء الإنسان عند أبي بكر الرازي
أسرار التعلم الشرطي وتأثيره في التربية
