«حياتك من صنع أفكارك: كيف تشكل عقليتك واقعك اليومي؟ *»
بقلم: عادل فتحي عبدالله
قد تجد رجلان، يعملان نفس العمل، ويحصلان على نفس الأجر، ولهما نفس الظروف العائلية ثم تجد أحدهما حزين، والآخر في غاية السعادة... ما السبب؟!
إنه طريقة تفكير كل واحد منهما، ونظرته للحياة، «حياتك من صنع أفكارك»
هذه الحكمة العظيمة لو أدركها كل شخص لاستطاع أن يحوز السعادة كل السعادة، وذلك بتحويل ما يبدو أنه مر إلى شراب حلو المذاق.
لا شك أن الحزن نوع من الضعف، وهو نوع من العجز، على الأقل العجز عن العيش بسعادة وهناء، والرجل الحزين تكون القوة الدافعة عنده للعمل والإنجاز ضعيفة نوعاً ما، ولهذا دعانا الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم-للتعوذ من الهم والحزن، وأن يقول أحدنا إذا شعر بالحزن أو الهم أو كان عليه دين:" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَال".
وإذا استطعت أن تقهر أحزانك، وتسيطر عليها فأنت في قمة الهمة والنشاط، والقوة والإرادة والسيطرة، وأنت على النجاح في الحياة أقدر.
ولكن كيف تسيطر على أحزانك، وتمنح نفسك السعادة بديلاً عن الأحزان؟
قد يقول قائل: أمنح نفسي السعادة.. كيف؟!
هل السعادة تأتي إلى من الخارج، أم أنني نفسي أستطيع أن أمنح نفسي السعادة؟!
يعني هل السعادة تأتي للإنسان من الخارج، من الأشياء والأحداث...الخ أم أنها تأتي للإنسان من داخله هو؟!!
حقاً إنه سؤال محير، لكنه سؤال مهم، ومهم جداً والإجابة على هذا السؤال هي سلم الحصول على السعادة الحقيقية، حين تقتنع أن الحصول على السعادة هو أمر بيدك أنت، وليس بيد غيرك، عندئذ فقط تحصل على السعادة، كيف هذا؟!
هذا حال وجود ذلك الشراب المر، فما بالك إذا لم يكن الشراب مراً من الأساس، وكان حلو المذاق؟! فهناك أناس لديهم النظرة التشاؤمية للحياة، وهي التي دوماً ما تحيل الشراب الحلو إلى شراب مر.
قصة الشاب صلاح
كان صلاح شاباً يافعاً، مات أبوه وترك له ميراثاً يكفيه طوال عمره ويزيد، الحقيقة أنه لم يكن مسرفاً، ولا مبذراً، لكن صلاح لم يكن سعيداً يوماً ما...
إنه لطالما كان ينظر لمن حوله، ويرى أنه أقل من جميع الناس، إنه لم يكن قط ليرى نعم الله عليه، في حين كان يرى الآخرين وكأنهم أسعد منه حالاً.
لقد كان صلاح، ولا زال يعذب نفسه بتلك الأفكار التي تسيطر على عقله، لقد هرب جميع الأصحاب منه، تخلى عنه الأصدقاء قبل الأعداء، نتيجة هذه النظرة التشاؤمية للحياة..
إذا جلست معه اليوم تراه يحدثك عن فلان الذي اشترى أرضاً فربحت كذا وكذا... وأن فلان ابنه صار طبيباً مميزاً، وفلان لديه سيارة كذا إنها رائعة حقاً، إنه محظوظ...الخ
إنه في النهاية يرى جميع الناس أفضل منه، حتى الفقراء الذين لا يملكون شيئاً يحدثك عن المميزات التي يحوزها هؤلاء الفقراء، وهي ليست عنده...
إن هذا الرجل يدمر حياته بيده، لسبب بسيط، وهو أنه يزدري نعمة الله عليه... يعني يحتقر نعم الله عليه، ويرى أن الناس قد حازوا من الخير ما هو أفضل منه... لذلك فهو يشعر بالفقر دوماً.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (أرض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس)
فالغني ليس عن كثرة العرض، يعني ليس عن كثرة المادة والمال ونحوه، لكن الغنى غنى النفس، والذي نفسه جائعة لا يشبع أبداً، ودائماً ما ينظر للآخرين، ولا يشعر بنعمة الله عليه، تلك هي الأفكار التي تورث المرء التعاسة، أو السعادة، حسب ما يعتقد، وحسب ما يفطم نفسه، أو لا يفطمها.
يقول الفيلسوف المعروف (ابكتيتوس): "إن إزالة الأفكار الخاطئة عن العقل أجدى بكثير من إزالة أورام الجسد"
نعم هي أجدى، وقد تكون أصعب عند بعض الناس، التخلص من الأفكار السوداوية قد يكون صعباً، لكنه يستحق التعب، لأنه سوف يغير مجرى الحياة تماماً.
لقد استطاعت هيلين كيلر- الأسطورة الحقيقية- أن تحيل المصائب التي منيت بها جميعاً إلى مباهج ومتع للحياة، لأنها كانت تحمل نفس راضية بقضاء الله، مطمئنة بما كانت عليه من حال، وفي ذات الوقت جمعت كل طاقاتها لكي تبدع وتبتكر، كما لم يفعل أي إنسان على وجه الأرض،
فبالرغم من أنها كانت عمياء وصماء وبكماء إلا أنها كانت تقول: «لقد استمتعت بمباهج الحياة، ونعمت بجمالها» كيف لا وهي التي تقول: (ما من شيء يمكن أن يمنحك الراحة والاطمئنان سوى نفسك أنت).
إن إحساسها بالرضي والاطمئنان وهبها القدرة على أن تقهر الظروف العصيبة التي ابتليت بها، وتقتحم ميدان العلم للتعلم وتحصل على أعلى الدرجات العلمية.
في وسعك أن تحيل حياتك إلى سعادة غامرة، وإلى جنة وارفة الظلال، أو تحيلها إلى جحيم، كل ذلك بيدك أنت.
كتب دايل كارنيجي يقول: "أتريدين يا سيدتي أن تعرفي كيف تجعلين من غسيل الأطباق في المطبخ عملاً مبهجاً مثيراً؟!
اقرأي إذاً ذلك الكتاب الملهم (أردت أن أبصر) لمؤلفته (بورجيلد دال) وقد عاشت بورجيلد نصف قرن من الزمان وهي أقرب أن تكون عمياء منها إلى أن تكون مبصرة، وقد كتبت في مؤلفها هذا تقول: «كنت أبصر بعين واحدة، وكانت عيني الواحدة إلى هذا مغشاة بالسحب الكثيفة، فإذا أردت أن اقرأ كتاباً قربته إلى عيني حتى ليوشك أن يلتصق بوجهي» على أنها رفضت أن يشفق عليها أي إنسان.
كانت في طفولتها تتوق إلى مشاركة الأطفال لعبة (الحجلة) فكانت إذا انصرف زملاؤها إلى منازلهم – تجلس على الأرض وتدنى عينها من العلامات المرسومة، وتحفظ أوضاعها وطريقة تقسيمها، فما لبثت أن برعت في تلك اللعبة، وفازت على زميلاتها المبصرات، وكانت تمضي أوقاتها في البيت بمطالعة الكتب ذات الحروف الكبيرة، فتدنيها من عينيها حتى تكاد أهدابها تمس صفحة الكتاب، حتى تمكنت من الحصول على درجتين جامعيتين الليسانس والماجستير في الآداب من جامعتي منيسوتا وكولومبيا.
ثم اشتغلت بعد ذلك بالتدريس في قرية (كوين مالي) بولاية منيسوتا، ثم ارتقت فأصبحت أستاذة للصحافة والأدب في كلية (أوجستانا)، وكانت إلى جانب التدريس تحاضر بأندية السيدات، وتذيع في محطات الإذاعة معقبة على الكتب والمؤلفات.
ثم في عام 1943 حين بلغت الخمسين من عمرها حدثت المعجزة!!
لقد أجريت لها عملية جراحية في مستشفى مايو الشهير فتضاعفت مقدرتها على الإبصار أربعين مرة.
وبهذا فتحت أمامها آفاقاً جميلة ومثيرة، وأصبحت تجد البهجة والسرور في غسيل الأطباق في مطبخ بيتها.
وهي تقول في ذلك: «إنني أداعب فقاقيع الصابون وأغسل الأطباق، فأمد يدي إلى قاع الطبق لالتقط فقاعة صغيرة، ثم أجمع الفقاقيع في قبضتي وأدنيها من الضوء فأرى فيها ألوان قوس قزح تبرق وتلتمع.... وقد أتطلع من نافذة المطبخ فأبصر عصفوراً صغيراً يشق طريقه في الفضاء، وسط الجليد المتساقط، وأتبين لون جناحيه الرماديين ليملأ قلبي السرور ويستخفني الطرب»
ولقد غمرتها الفرحة الكبرى من جراء زيادة قدرتها على الإبصار حتى إنها اختتمت كتابها بقولها (يا إلهي أشكرك.. أشكرك) إنها تشكر الله لأنها أصبحت تتبين فقاقيع الصابون، وجناحي العصفور الطائر! أفلا يجدر بي وبك، أن نخجل من أنفسنا؟! أننا نعيش في جنات مشرقة، بهية الصور، مجلوة الحسن، ولكننا لا نقدٌر، لا نرى، ولا نشكر!!)
* من كتابي (السيطرة على الذات)
