مرحباً بك في موقعك المفضل (وعي أسري) هنا نكبر معاً، ونشارككِ رحلة التربية خطوة بخطوة لبناء أسرة واعية وسعيدة ومترابطة

سر النجاح المؤجل: لماذا يجب أن تغادر منطقة الراحة الآن


سر النجاح المؤجل: لماذا يجب أن تغادر منطقة الراحة الآن

بقلم: عادل فتحي عبدالله 
صورة رجل يجلس على أريكة


الخروج من منطقة الراحة:


ما هي منطقة الراحة؟ إنها سجن اختياري غير مرئي؛ نصنعه بأنفسنا لشعورنا بالأمان داخله، لكنه في الحقيقة يمنعنا من النمو وتطوير ثقتنا بأنفسنا، ولهذا يجب علينا فوراً الخروج من منطقة الراحة لدينا.

حسناً، ولكن لماذا نخاف مغادرتها؟

منطقة الراحة هي الحالة النفسية التي يعيش فيها الشخص مستقراً، مستخدماً سلوكيات روتينية معتادة دون مخاطرة، الخوف من الخروج منها ينبع من آلية الدفاع الطبيعية في الدماغ؛ فالعقل البشري يكره المجهول ويفضل دائماً التقوقع والروتين لتوفير الطاقة وتجنب القلق.

كيف يبني الخروج من منطقة الراحة "الثقة بالنفس"؟

عندما تكسر الروتين وتجرب شيئاً جديداً، تحدث عملية نفسية تسمى "توسيع الكفاءة الذاتية":

1) تفكيك وهم الخوف: تكتشف أن المخاوف التي تضخمت في عقلك كانت أصغر بكثير في الواقع.

2)  مرونة مواجهة المجهول: يتعلم عقلك أنه قادر على التعامل مع المواقف المفاجئة وغير المألوفة.

3) صناعة أدلة نجاح جديدة: كل تجربة جديدة تخوضها بنجاح (حتى لو كانت بسيطة) تُسجل في ذاكرتك كـ "دليل مادي" على شجاعتك، مما يرفع تقديرك لذاتك تلقائياً.

إذاً كيف تخرج من منطقة الراحة دون أن تصاب بالذعر؟


إن الانتقال المفاجئ من منطقة الراحة إلى منطقة الخطر الشديد قد يسبب صدمة نفسية تأتي بنتائج عكسية، ويكمن السر في التوسع التدريجي عبر الانتقال إلى "منطقة التعلم" عن طريق:

• تغيير العادات اليومية البسيطة: غيّر الطريق الذي تسلكه للعمل، أو جرب صنف طعام جديد تماماً لم تذقه من قبل، أو اقرأ في مجال بعيد كلياً عن تخصصك.

• مواجهة المخاوف الاجتماعية الصغرى: ابدأ محادثة قصيرة مع شخص غريب (كالبائع أو زميل جديد)، أو اطرح سؤالاً في اجتماع عمل كنت تكتفي فيه بالاستماع.

• تعلم مهارة تثير رهبتك: إذا كنت تخشى التحدث أمام الجمهور، التحق بدورة صغيرة للإلقاء. وإذا كنت تخشى القيادة، خذ حصصاً إضافية مع مدرب.

• قبول الدعوات غير المألوفة: وافق على حضور فعالية، أو ندوة، مثل أن تحضر ندوة شعرية، إذا لم تكن تعتاد مثل ذلك، أو تجربة نشاط بدني لم تعتد عليه من قبل مثل التسلق مثلاً، أو أي مهارة أخرى جديدة، الخروج من المألوف يساعدك على التجديد وبناء الثقة بالنفس.

ولكي نتمكن من الانتقال الفعلي من منطقة الراحة وبناء الثقة بالنفس بفاعلية هناك بعض النقاط الهامة والتي يجب أن ننتبه إليها ونبادر بالتعاطي معها بإيجابية، ونلخصها في النقاط التالية*:


(1) كوّن أفكاراً إيجابية عن الذات:


تعد الأفكار السلبية عن الذات، والتي عادة ما تنبع من العقل الباطن، والذي يخاطبك بأسلوب التأنيب والتوبيخ بصفة دائمة أو شبه دائمة، تعد هذه الأفكار من مثبطات الثقة بالنفس.

الصوت الداخلي الذي يحدثك دوماً بأفكار سلبية، ويحاول بين الحين والآخر الحط من شأنك ومن قيمتك، ومن إنجازاتك... هذا الصوت الداخلي السلبي يجب أن تواجهه بكل قوة وحسم، ولا تسمح له بأن يحطم معنوياتك ويفقدك الثقة بالنفس!!

ما علامات هذه الأفكار السلبية؟!




تتخذ تلك الأفكار عادة طابع الخوف على النفس، والحرص على الإنجاز، لكنها في الحقيقة ما هي إلا مثبطات للإنجاز، ومدمرات للذات، ومن أمثلة هذه الأفكار وعلاماتها المقولات الآتية:

أنا فاشل!

أنا لا أستطيع أبداً التحكم في تصرفاتي.

أنا لا أقدر على فعل هذه الأمور لأنني تعودت على الإهمال منذ الصغر، وهكذا سأظل.. إنني دائماً ما اقترف الأخطاء ثم اضطر للاعتذار، إنني كسول.. هذه هي طبيعتي ولن تتغير... الخ.


مثل هذه المقولات السلبية يسميها عالم النفس أوجين ساجان (الناقد المرضي)، إنه ناقد داخلي ذاتي دائماً ما يؤنبك ويلومك على الأخطاء، ويتهمك دوماً بكل نقيصة، ويعمل على إجراء المقارنات بينك وبين غيرك من الناس لصالح هؤلاء الناس بصفة دائمة، فيتهمك بالفشل لكونك لم تحقق تلك الإنجازات التي حققها هؤلاء الناس.


كما أنه يتهمك بالفشل وعدم تحقيق معايير النجاح، مع أنه قد وضع لك معايير صعبة جداً لتحقيق النجاح، هذه المعايير من المستحيل تحقيقها ثم يطالبك بتحقيقها فإن لم يتم تحقيقها بالفعل، فأنت فاشل!!
هذا الناقد المرضي الداخلي لا يلومك هكذا بدون أسباب أو مبررات... كلا إنه ناقد منطقي جداً، وفي غاية العقلانية – كما يبدو في الظاهر – إنه يقدم لك المبررات المنطقية على فشلك ليقنعك بالفشل..

لكنه ناقد خبيث إذ يحدثك بالمنطقية والعقلانية، لكنه في ذات الوقت يرتكب أكبر السقطات المنطقية، لكن بدون أن يشعرك بهذا، إذ يقع في التعميم الزائد، والتعميم المتسرع، وغيرها من السقطات المنطقية، لكن لكونه يتحدث إليك بعقلانية فإنك تصدقه، ولا تدقق كثيراً في اختياراته، وإرشاداته التي تبدو أنها في صورة نصح لك،

لكنها في الحقيقة مثبطة للهمم، وفاقدة للثقة أو مفتقدة للثقة في النفس بطريق أولى؛ لذلك يجب التفرقة الحقيقية بين الناقد المرضي، والناقد الصحي، فالناقد المرضي فيما يبدو أنه يخاف عليك ويدفعك للعمل والإنجاز، لكنه في الحقيقة يعمل على إفقادك الثقة بالنفس، وتعزيز المشاعر السلبية لديك، ويمنحك إحباطات كثيرة..

لكن الناقد الصحي، هو صوت داخلي ينتقد أخطائك في سبيل إصلاحها، فهو لا يستخدم عبارات مثل: أنت فاشل.. فلان أفضل منك لأنه كذا.. أتذكر فشلك في تحقيق كذا وكذا في الماضي؟! أنت دائما ما تستخدم نفس الأدوات، ولا تستطيع تغييرها...الخ.

الناقد الصحي لا يستخدم مثل هذه العبارات مطلقاً، إنما يستخدم عبارات مثل: لقد أخطأت التقدير يجب علي أن أصحح ما قمت به سلفاً..

إنني فشلت في كذا لكنني نجحت في تحقيق أمور أخرى كثيرة، لقد حان وقت العمل... لا وقت للتبكيت والملامة.

إخفاقاتي السابقة في الماضي كانت لظروف معينة وقد تغلبت على هذه الظروف الآن، يجب أن أتخذ الفشل طريقاً للنجاح بأن أتعلم من أخطاء الماضي ولا أكررها.. لقد نجح الآخرون في أشياء تناسبهم ولقد نجحت في أشياء أخرى تناسبني (وكل ميسر لما خلق له).


(2) ازرع في نفسك الأمل تحصد الثقة:

كل واثق بنفسه يحمل داخلها الأمل والتفاؤل بمستقبل مشرق، مهما كانت أمامه الظروف غير ميسرة، ولا تحمل دلالات لمثل ما يريد تحقيقه، لكنه الأمر الذي يحيى في النفوس والحيوية ويجدد النشاط، ويبدو الكسل والخمول والتواكل..

فإذا كنت تحمل بداخلك الأمل والتفاؤل، فأنت تتحرك بثقة، والنجاح سيكون حليفك بإذن الله تعالى، إن الإيمان والأمل بما تريد يمثلان قوة دافعة كبيرة جداً للعمل والإنجاز..

اقرأ قصص الناجحين ستجد أن الظروف لم تكن مواتية لهم، لكنهم مع إيمانهم بما يقومون به من أعمال، ومع تفاؤلهم، ووجود الأمل عندهم.. استطاعوا أن يقهروا الظروف الصعبة، ويشقوا لهم طريقاً في الحياة.

لقد عاش سيكروهوندا-على سبيل المثال- ظروفاً معيشية صعبة في طفولته، حيث عاصر في طفولته وشبابه حربين عالميين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وكانت بلاده تدك بالقاذفات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أنها دمرت مدينتين من أعرق مدنها بالقنابل الذرية وهما مدينتي هيروشيما ونجازاكي، لقد مات خمسة من عائلة سيكروهوندا ليس بسبب الحرب، لكن بسبب الفقر، ولم يكمل هو تعليمه فخرج من المدرسة في الصف الثامن (الثاني الإعدادي في بلادنا) لكن كان لديه الأمل، لم يكن أبداً – رغم قسوة ظروف المعيشة – متشائماً، لكنه كان متفائلاً،

فقد كان يهوى ميكانيكا السيارات، فقد عمل في ورشة صغيرة للسيارات، حتى أتقن تصليح السيارات، وتعرف على ميكانيكا السيارات، وكان ذكياً لامعاً، فعمل على تصنيع صمامات للسيارات وبيعها... ثم التحق بالمدرسة ليكمل تعليمه ويتعلم تصميم الصمامات بطريقة أكثر دقة.

ثم أنشأ مصنعاً صغيراً، ولقد دمر هذا المصنع مرتين بسبب الحرب، لكنه لم ييأس، وحدثت مشكلة أزمة البنزين أثناء الحرب، ولم يكن يباع إلا للمعدات الحربية فاخترع هوندا الدراجات البخارية، والتي كانت تعمل بمحرك يزود بالسولار والذي كان متوفراً آنذاك... ثم عمل مصنعاً للدراجات البخارية حتى أنه استطاع بيع مليون دراجة بخارية في تلك الأثناء للولايات المتحدة فقط.

كانت لديه القدرة على التكيف مع الظروف الصعبة، وكانت لديه الإرادة والعزيمة، وكان لديه الأمل في أن يصبح شيئاً مهماً!!

حتى استطاع فيما بعد بناء شركة من أكبر شركات صناعة السيارات والدراجات النارية في العالم وهي شركة (هوندا) المعروفة.

والتي يعمل بها الآن ما يزيد على مائة ألف عامل، ولها عدة فروع في معظم دول العالم.


(3) سجل إنجازاتك وطور قدراتك:

لا شيء مثل الإنجازات والنجاحات يقوى الثقة بالنفس، فالإنجازات شيء مهم وضروري لبعث الثقة في النفس، فالنجاح يولد النجاح، والإنجاز يدفع نحو مزيد من الإنجاز، ولكي تسجل إنجازات مهمة يجب عليك أن تمتلك المهارات اللازمة للعمل الذي تعمل، كذلك المهارات اللازمة للنجاح بصفة عامة.

فلا يمكن لشخص ما أن يحقق نجاحات وإنجازات في مجال معين بغير مهارة وقدرات خاصة تؤهله للنجاح في هذا المجال أو ذاك.

والمهارة هي القدرة على العمل الجيد مع السرعة في الأداء، وهي أداء العمل بإتقان وحذق مع توفير الوقت وعدم إضاعته في غير فائدة.

ويلزم لتطوير المهارات، تطوير القدرات الذاتية، وتطوير الشخصية، ويأتي ذلك عن طريق التدريب والتنمية الذاتية، والتنمية المهنية المستدامة.

وحتى تكون على قدر أكبر من الثقة بالنفس يمكنك أن تدون إنجازاتك في لوحة وتضعها أمامك، حتى تدفعك دوماً نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وتحقيق المزيد من النجاحات.




*من (كتاب أسرار الشخصية الجذابة ) للكاتب

تعليقات