مرحباً بك في موقعك المفضل (وعي أسري) هنا نكبر معاً، ونشارككِ رحلة التربية خطوة بخطوة لبناء أسرة واعية وسعيدة ومترابطة

لا للعنف مع الأبناء

لا للعنف مع الأبناء


صورة رجل يقسو على ابنه

بقلم: عادل فتحي عبدالله
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم -وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

يعتقد البعض أن استخدام أسلوب القسوة والعنف في التربية يعد الأسلوب الأمثل لتقويم سلوك  الأبناء وجعلهم يتبعون الأوامر وينفذونها بدقة ، ولا يحيدون عن جادة الصواب .

وقد تسمع من بعضهم أحيانا القول : هكذا تربينا وعلى هذا يجب أن نربي أبنائنا ، وبهذه الطريقة سوف ينشأون على أفضل ما يكون .

فهل يا ترى أسلوب القسوة والشدة والعنف في التربية هو الأسلوب الأمثل ، أم أن له من المثالب ما يفوق المزايا بمراحل كثيرة .

يقول العلامة عبد الرحمن ابن خلدون في مقدمته تحت عنوان: " فصل في أن الشدة على المتعلمين مضرة لهم "

" إن إرهاف الحد مضر بالمتعلم لا سيما صغار الولد ، لأنه من سوء الملكة ، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر ،
 وضيق على النفس في انبساطتها ، وذهب بنشاطها ، ودعا إلى الكسل ، وحمل على الكذي والخبث ، والتظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهرعليه،

 وعلمه المكر والخديعة لذلك ، وصارت له هذه عادة ، وفسدت لديه معاني الإنسانية من حيث الإجتماع والتمدن ، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله ، وصار عيالا على غيره في ذلك ،

 بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل ، فانقبضت عن غايتها ، ومدي انسانيتها ، فارتكس وعاد في أسفل السافلين ، وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ، ونال منها العسف .

فينبغي للمتعلم في متعلمه ، وللوالد في ولده أن لا يستبدوا عليهم في التأديب .

وقال أبو محمد بن أبي زيد في كتابه الذي ألفه في حكم المعلمين والمتعلمين : لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئا .

ومن كلام عمر رضي الله عنه : " من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله "
حرصا على صون النفس من مذلة التأديب ، وعلما بأن المقدار الذي عينه الشرع لذلك أملك له فإنه أعلم بمصلتحته

ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال:
 " يا أحمران ، أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه ، وثمرة قلبه ، فصير يدك عليه مبسوطة ، وطاعته لك واجبة ، فكن بحيث وضعك أمير المؤمنين ،

 أقرئه القرآن ، وعرفه الأخبار ، وروّه الأشعار ، وعلمه السنن ، وبصره بمواقع الكلام وبدئه ، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته ، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلو عليه ، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها .

من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ، ولا تمعن في مسامحته فيستحلى الفراغ ويألفه ، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة ، فإن أباها فعليك بالغلظة والشدة " [1]

إنها فلسفة الشد والجذب ، والثواب والعقاب ، والرفق واللين أولا وقبل كل شئ وليس الشدة والغلظة ،
 إنما اللجوء إليها يكون في حالات نادرة ، وعند استنفاذ الوسائل الأخرى وبالقدر المناسب لكن لا يمكن 
.اعتبارها اسلوبا في التربية .

قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ 
عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين ) ٍسورة آل عمران:159 

:ما يؤكده ابن سينا في ( السياسة ) حيث يقول

 " إنه من الضروري البدء بتهذيب الطفل وتعويده ممدوح الخصال منذ الفطام ، وقبل أن ترسخ فيه العادات المذمومة ، التي يصعب إزالتها إذا تمكنت من نفس الطفل ، أما إذا اقتضت الضرورة الالتجاء إلى العقاب فإنه يجب مراعاة منتهى الحيطة والحذر.

فلا يؤخذ الوليد أولا بالعنف ، وإنما بالتلطف ثم تمزح الرغبة بالرهبة ، وتارة يستخدم العبوس ، أو ما يستدعيه التأنيب . وذلك وفق كل حالة خاصة .

ولكن إذا أصبح من الضروري الإلتجاء إلى الضرب ينبغي أن لا يتردد المربي على أن تكون الضربات الأولى موجعة . فإن الصبي يعد الضربات كلها هينة ، وينظر إلى العقاب نظرة استخفاف .

ولكن الالتجاء إلى الضرب لا يكون إلا بعد التهديد والوعيد وتوسط الشفعاء لإحداث الأثر المطلوب في نفس الطفل " [3]

إن التربية علم وفن حيث يختار المربي الأسلوب المناسب في الوقت المناسب ، وليست المسألة مسألة
صورة بنت تتأمل

شدة وعنف وكفى .


ويؤدي استخدام العنف مع الأبناء (سواء كان جسدياً بالضرب، أو لفظياً ونفسياً بالصراخ والإهانة) إلى تدمير البناء التربوي والنفسي للطفل، وخلق فجوة عميقة بينه وبين والديه. هذا واعلم أيها الوالد الكريم أن العنف لا يُعلّم السلوك الصحيح، بل يترك آثاراً سلبية ممتدة تدوم طوال العمر.
وهذه أبرز الآثار التربوية والنفسية السيئة للعنف ضد الأبناء:
1- تشوه الشخصية والاضطرابات السلوكية
• إعادة إنتاج العنف والعدوانية: يتحول الطفل المعنَّف في كثير من الأحيان إلى شخص عدواني يمارس العنف مع أقرانه في المدرسة، ومستقبلاً مع أطفاله وعائلته.
• الضعف والانطواء الشديد: في مقابل السلوك العدواني، قد يميل بعض الأطفال إلى الانعزال التام، والخوف من الفشل، والخنوع والتبعية للآخرين نتيجة فقدان الشخصية.
• الكذب والتحايل: يتعلم الطفل المعنف الكذب والمراوغة كآلية دفاعية للهروب من العقاب القاسي، بدلاً من تعلم تحمل المسؤولية.
2- تدني تقدير الذات والاضطرابات النفسية
• فقدان الثقة بالنفس: يتولد لدى الطفل شعور دائم بالدونية، وكراهية الذات، وضعف الثقة بقدراته.
• القلق والاكتئاب: تزداد لدى الأطفال ضحايا العنف مستويات التوتر، والخوف المستمر، والاضطرابات النفسية التي قد تتطور إلى اكتئاب حاد أو اضطراب ما بعد الصدمة.
3- تراجع التحصيل الدراسي والنمو المعرفي
• ضعف التركيز: يتشتت انتباه الطفل نتيجة العيش في بيئة تفتقر إلى الأمان، مما يؤثر مباشرة على استيعابه الدراسي.
• إعاقة نمو الدماغ: حيث تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض للعنف في سن مبكرة قد يعيق النمو المعرفي والإدراكي للطفل، ويؤدي إلى إخفاقه الأكاديمي.
4- انهيار العلاقة بين الوالدين والأبناء
• الانفصال العاطفي: يحل الخوف والنفور مكان الحب والاحترام، مما يدفع الأبناء إلى الابتعاد عن الوالدين وعدم اللجوء إليهم عند مواجهة المشكلات.
• غياب القدوة: يفقد الوالدان هيبتهما التربوية كقدوة توجيهية، ويتحولان في نظر الطفل إلى مصدر للتهديد فقط.
وهناك عدة بدائل تربوية لأسلوب العنف تتمثل في:
الحوار الهادئ والوضوح: شرح الخطأ للطفل وتوضيح العواقب المترتبة عليه.
الحزم القائم على الحب: وضع حدود وقواعد واضحة للسلوك دون الحاجة للقسوة أو الإهانة.
العواقب المنطقية: مثل الحرمان المؤقت من بعض الامتيازات (كالألعاب أو الشاشات) بدلاً من العقاب البدني.


والمربي الذي يلجأ للقسوة والعنف فقط حقيقة هو مربي ضعيف ، ليس لديه القدرة على التعامل التربوي السليم .

وهو كذلك يعتبر الشدة والقسوة هما الأسلوب الأسهل وليس الأمثل للتأديب والتربية ، حيث أنهما ـ أي الشدة والقسوة ـ لا يحتاجان دراسة ولا قراءة ولا اطلاع ولا فن في العامل مع الإبن ، وأنهما وسيلة سريعة للتأثير ، وتأتي بنتائج مرجوة من وجهة نظرة.

والحقيقة أن هذا الكلام غير دقيق ، نعم قد تكون النتيجة الملاحظة مرغوبة بصورة مؤقتة ، وقد يخاف الولد فيفعل ما يريد الأب ، لكن هل يستمر سلوك الابن على نفس المنوال ؟ هل يجدي معه العقاب والعنف وهو في مرحلة المراهقة ؟

هل يمكن ضربه وهو شاب في ريعان الشباب وإن حدث هل يكون هذا الأسلوب ذا تأثير إيجابي أم سلبي ..

إن الآثار الضارة لهذا الاسلوب تظهر بوضوح  في مرحلة المراهقة على الشباب المراهق ويمكن أن تدمر شخصيته .






 . ابن خلدون في المقدمة ، دار مكتبة الهلال ـ بيروت ـ 1983 هـ .[1]
 . ابن سينا ( السياسة ) [3]
تعليقات