كثيرا ما نرى بعض الآباء والأمهات يرددون عبارة: (إنني أحمي ابني من الفشل ) مبررين بها خوفهم المتزايد -وغير المبرر أصلا- على الطفل!!ذلك الخوف الذي يعتبر أداة ومعول هدم لثقة الطفل بنفسه،
ولنأخذ
مثلا على ذلك الطفلة أسماء ذات السنوات التسع من عمر الزهور، تلك الزهرة
الجميلة، التي كانت تريد أن تلتحق بجماعة الإذاعة المدرسية وترى في نفسها القدرة
على ذلك،
بل
إنها كانت تحب الإلقاء، لكن أمها ولخوفها المتزايد عليها من الفشل او الإحباط لم
توافق على انضمامها لجماعة الإذاعة المدرسية.
وعللت
ذلك بأن أسماء ليس لديها القدرة على مخاطبة الناس، وأنها خجولة بطبعها، فكيف تتحدث
أمام الطالبات في الإذاعة المدرسية؟!
وهكذا
زرعت الأم في نفس أسماء أنها خجولة وغير قادرة على التواصل مع الآخرين بطريقة
جيدة!
مع
أنه كان من الممكن أن تقوم الأم بدلا من ذلك بتشجيع أسماء ودفعها قدما نحو ما
تريد، حتى وإن كان لديها درجة ما من الخجل كانت سوف تتغلب عليها بالممارسة، وسوف
تنطلق في عالم الطفولة الرحب بروح وثابة وقلب ممتلئ بالحيوية والنشاط.
بداية الخوف على الطفل
يبدأ
الخوف على الطفل منذ الصغر ، فعندما يتعثر الطفل وهو صغير ، ويصطدم بشئ صلب يختطف قلب الأم أو الأب من القلق
والخوف ،
وهذا الخوف له ما يبرره حيث أن الطفل في مراحله
الأولى لا يدرك المخاوف التي تحيط به ، ولا يعرف شيئا عن هذا العالم الجديد ،
ولهذا فقد يؤذي نفسه بلا شك من غير إدراك ويحتاج فعلا إلى رعاية وعناية خاصة.
لكن
المشكلة أن يستمر خوف الوالدين وقلقهما على الطفل حتى عندما يكبر ، ويدرك تلك
المخاطر ، ويكون قادرا على الحفاظ على نفسه وحمايتها ،
بل
قد يستمر هذا الخوف أحيانا ، وبنفس الدرجة والكيفية على الطفل وهو مراهق ، وشاربه
يملأ وجهه ، ومن ثم يجد الوالدين العناء والعصيان من قبل الإبن ،
لما يشعر به هذا الإبن من محاولة الوالدين فرض
سيطرتهما عليه ، وهو يشعر بأنه أصبح رجلا ومسؤولا وقادرا على اتخاذ القرارات .
ولا شك أن للوالدين في كل مرحلة من مراحل النمو
بالنسبة للأبناء دور ، بل ودور عظيم ، لكن الخوف المتزايد ، وغير المبرر على الابن
له آثار ضارة وخطيرة على هذا الولد وعلى الأسرة بصفة عامة .
من
هذه الآثار الضارة للخوف الزائد والحماية الزائدة للطفل أن ينشأ الابن مدللا ،
واتكاليا ومعتمدا على الوالدين في كل شيء ، وغير قادر على اتخاذ القرارات المهمة في
حياته ،
ويصبح
مستقبلا هذا الابن غير قادر على تحمل المسئولية وحده ، وينشأ لديه خوف من المستقبل
، ويلجأ لأسرته بسرعة عند أي طارئ ولا يستطيع مواجهة أعباء الحياة وحده .
علاج مشكلة خوف وقلق الوالدين المفرط
ويعتمد علاج مشكلة خوف وقلق الوالدين المفرط أو ما يُعرف بالقلق الوالدي الزائد على فك الارتباط بين مشاعر القلق وتصرفات الحماية الخانقة، والاعتراف بأن هذا الخوف يضر الطفل أكثر مما يحميه.
هذا الخوف طبيعي في أصله لحماية الطفل، لكن عندما يتحول إلى "وسواس" مستمر، يمكن التعامل معه من خلال الخطوات العملية التالية:
إعادة الهيكلة المعرفية (تغيير طريقة التفكير)
• تحدي الأفكار الكارثية: عند ورود فكرة سيئة (مثل: "إذا خرج سيصاب بمكروه")، واجهيها بأسئلة منطقية: ما نسبة احتمال حدوث هذا فعلاً؟ هل حدث هذا في المرات السابقة؟
• التفريق بين الحماية والسيطرة: الحماية هي تعليم الطفل كيف يعبر الشارع بأمان، أما القلق الزائد فهو منعه من الخروج تماماً، وهو ما يضعف شخصيته ويهز ثقته بنفسه.
• تقبل عدم القدرة على التحكم المطلق: لا يمكن لأي إنسان التحكم في كل تفاصيل المستقبل، وتفويض الأمر لله يمنح النفس سكينة كبيرة.
نصيحة للأم القلقة: تعديل السلوك التربوي واليومي
• قاعدة الـ 5 دقائق التمهيدية: قبل إظهار رد فعل غاضب أو مانع لطفلك بسبب الخوف، خذي نفساً عميقاً وانتظري لتحديد ما إذا كان المنع نابعاً من خطر حقيقي أم من مجرد قلق داخلي لديكِ.
• منح الطفل استقلالية متدرجة: اسمحي له بتجربة أشياء جديدة والوقوع في أخطاء بسيطة (مثل التعثر أثناء اللعب)، لأن هذا يبني مناعته النفسية والجسدية.
• تجنب نقل القلق: الأطفال مثل الرادار يمتصون مخاوف الأبوين؛ فكثرة التحذيرات بنبرة مرعوبة ("انتبه!"، "ستقع!") تصنع طفلاً مهزوزاً وخائفاً من العالم.
تقنيات الدعم النفسي والروحي
• تمارين الاسترخاء اليومية: طبقي تمارين التنفس البطني العميق أو الاسترخاء العضلي لتخفيف التوتر الجسدي الناتج عن القلق.
• الدعم المجتمعي: تحدثي مع أمهات أو آباء آخرين على المنصات الخاصة؛ ستكتشفين أن مخاوفك مشتركة وأن الأطفال يمرون بهذه المراحل بسلام.
• التحصين والدعاء: استودعي طفلك الله دائماً؛ قراءة أذكار الصباح والمساء تمنح الوالدين طمأنينة ويقيناً بأن الطفل في حفظ الله ورعايته.
متى ينبغي طلب استشارة طبية؟
إذا تحول هذا الخوف إلى ممارسات تعيق نومك، أو تسبب لك وساوس مستمرة وأعراضاً جسدية كخفقان القلب، فقد يتطلب الأمر جلسات العلاج السلوكي المعرفي (CBT) مع طبيب نفسي،
أو حتى علاجاً دوائياً مؤقتاً لتعديل كيمياء الدماغ إذا شُخِّصت الحالة كاضطراب قلق عام أو وسواس قهري.
